loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

حين تتكلّم الموصل شعراً: وليد الصراف وصوت الذاكرة التي لا تموت

breakLine

حسين السياب
شاعر وباحث | عراقي

 


الـموصلُ، تلك المدينة التي لا تُشبه إلّا نفسها.
تغفو على ضفّةِ النهر كعروسٍ تستمتعُ بالانتظار، وتستيقظ كلَّ صباحٍ وهي تُعيد ترتيب وجهها في مرآةٍ من رمادٍ وضوء.
منذ أن انحنت مئذنتها الحدباء، والسماءُ تراقبها بعينٍ دامعة، والناسُ يفتّشون في حناياها عن معنى البقاء بعد الفقد.
في تلك الأزقّة التي تفوح منها رائحة الحجر القديم وعبق التاريخ، وُلد "وليد الصراف". لم يولد كشاعرٍ فحسب، بل كمتكلّمٍ باسم الصمت، وصوتٍ يخرج من قلب مدينةٍ تحاول أن تتذكّر شكلها الأول.
منذ بداياته، كانت الموصلُ تسكنه كما يسكن النهرُ ضفّتَه، لا فكاك بينه وبينها؛ كلّما حاول أن يبتعد، ازداد التصاقاً بها، حتى غدت القصيدة مرآةً لملامحها الجريحة.
في شعره، الموصل ليست مكاناً. هي كائنٌ أسطوريّ يُبعث من تحت الركام، أنثى تتجمّل بالدمعِ، وتغسل ماضيها بالمطر. مدينةٌ تتحدّث بلغة الشعر، وتبوح بما لم تستطع الحجارة قوله. وحين يكتب عنها الصراف، يتبدّل الحبر إلى دمٍّ، والكلمات إلى صلاةٍ طويلةٍ في محراب الذاكرة. هو لا يكتب مدينته كما يكتب شاعرٌ عن مكانٍ أحَبَّه، بل كما يكتب ابنٌ عن أمّه التي غابت في الحروب.
تخرج الموصل من قصيدته طافحةً بالحياة، كأنها عائدة من موتٍ طويلٍ، تتوكأ على اللغة لتقف من جديد.
تبدو القصيدة في يده فعلاً وجودياً؛ مقاومةً للنسيان، وتوثيقاً للوجع، واحتفالاً صامتاً بالقدرة على النهوض بعد السقوط.
وليد الصراف شاعرٌ يعرف أن الذاكرة لا تُصان إلا بالشعر، وأن المدينة لا تُنقذها الجيوش بقدر ما يُنقذها أبناؤها بالكلمة. ولذلك، كلما كتب، شعر القارئ أنه يسمع صدى المآذن القديمة، وأن دجلة يعود ليجري في الورق.
تغدو الموصل في شعره مثل قنديل يضيء ليلَ العراق، ومثل جرحٍ مفتوحٍ على الأمل. في قصيدته، نرى الموصل وهي تتحدّث من قلب الرماد، تقول للغزاة والسنين: (أنا لم أُخلق لأموت، بل لأُكتب). إنه شاعرُ البقاء، الشاهدُ على الوجع والنهضة معاً.
حين يكتب، تتحول اللغة إلى نهر، وتتحول الذاكرة إلى جناح يطير فوق الخراب. كل بيتٍ من شعره يحمل ملامح الموصل: وجعها، كبرياءها، وأمومتها.
لقد أعاد وليد الصراف إلى الحدباء صوتها المفقود، جعلها تتكلم بالشعر بعد أن صمتت بالحروب، ومنحها جسراً نحو الخلود. وحين يختتم قصيدته، تفتح الموصل نوافذها على ضوءٍ جديد، كأنها تقول له:
(يا ولدي، لقد كتبتَني من جديد) 
وهكذا تبقى الموصل — كما يراها وليدها — مدينةً لا تموت، بل تتجدد في الشعر كما يتجدد المطر على الطين، تخرج من ظلال التاريخ لتعلن للعالم أن الوجع يمكن أن يصير جمالاً، وأن الشعر وحده يقدر أن يرمّم ما تهدّم في أرواح المدن.
(ما زلتُ هنا، ولو انحنت مآذني..
فقلبي ما انحنى)
 

 

 

 

 

 

 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي