مقالات ادبية واجتماعية وفنية
منيا الفرجاني |شاعرة وكاتبة تونسية
منذ فترة.. حاولت أن أقلّص مجال خطواتي الرّوحيّة والنّفسيّة والماديّة ما استطعت، صنعت لنفسي مسارات محدّدة، عدد خطوات مبرمج بالمليمتر.
المسلك الأوّل..
غرفتي ـــــــ حمام ـــــــ مطبخ
مسافة صباحيّة بين غرفتي والحمّام والمطبخ، هذا مجال أعيش فيه لمدّة ساعة ونصف فيه تُعدّ القهوة والفطور وأنهي فيه متابعة خروج زوجي وبناتي إلى المعهد.. أراقب الثياب والهيئة والشعر و العطر, أدقق في كل تفصيلة قبل موعد ركوبهم السيارة والاختفاء عن أنظاري.
المسلك الثّاني..
مطبخ ــــــ حديقةـــــــ مطبخ..
بمجرّد خروجهنّ، أتوجه إلى الحديقة أتفقّد الأصص والشجيرات، أملأ القنينة الخاصّة بأصص مدخل البيت وأرش الماء على النباتات الصغّيرة النّائمة، تتحرّك عروقها، تتكسّل في أمان وتستعدّ لاستقبال أولى خيوط الشمس القادمة من وراء الصّنوبرة... أسقي، أحوّض، أشذّب، اربط خيوطا بين المتسلّقة والجدار كي أساعد الشّعباطة على إلقاء رأسها خارجا، أو أمدّها بين القوس وشجرة المطاط الصّغيرة... أساعد الأسباراغوس على مدّ أصابعها الطّويلة خارج سور البيت.. أنظف مكان روفس المشاغب كلبي الصّغير.. أجدّد ماءه أداعبه قليلا..ثمّ أعود إلى الدّاخل... لترتيب البيت.
المسلك الثّالث..
صالون ــــــ طابق علوي ــــــ مطبخ
ترتيب البيت، غسيل، تنظيف، مسح بكلّ أنواعه، اعداد الطّعام.
المسلك الرابع..
مطبخ ـــــــــ قاعة ـــــــــ جلوس
بعد الغداء، أختار بين الكروشي أو القراءة وقد خصّصت هذه الأيام للقراءة، وأحيانا كتابة بعض الأفكار.
المسلك الخامس..
قاعة الجلوس ـــــــــــ مطبخ ــــــــــ صالون ــــــــ غرفتي
أنهي القراءة، أتجه نحو المطبخ لإعداد وجبة خفيفة للعشاء ثم الصّالون لمتابعة مسلسل تلفزيّ... ثمّ أصعد للنّوم.
تقليص الخطوات إلى هذا الحدّ فيه راحة نفسيّة رهيبة لي، محتاجة جدّا لميناء سلام كما تقول ماجدة غير أنّ الرّومي تقولها بصرااااااااخ و أنا أطلبها بهدوء السناجب.
قد أكون من ضحايا الرّهاب الاجتماعي، ولكنّي بكلّ صدق أشعر براحة نفسيّة كبيرة و أنا أطمر نفسي في هذا المسار الحياتيّ الصّغير، أتخيّل نفسي عادة سيّارة صفراء صغيرة بيد طفل، يدحرجني على سجّاد غرفته مصدرا بفمه قليل الأسنان صوتا يحاكي محرّك سيارة ضئيلة "غووووو عنننننننن عنننننن عننننن" طريق مختصرة جدّا ولكن تفي الأحلام متعتها.
هكذا تحوّل العالم فجأة في نظري..
مسارات مختصرة تهبك ما تحتاجه من أكسيجين لتبقى حيّا، وما تحتاجه من روتين لتموت بأمان.. وما تحتاجه من صبر لتعتزل العالم الخارجيّ المليء بالنفاق و الأقنعة المخيفة.
هنالك مسالك صغيرة جدا.. لم اخبركم بها..
لا تحتاج منّي سوى ثلاث نقرات بأصابع اليد، مسالك مؤدّية، لهاتف أمّي وأخوتي، وأخرى لبريد أصدقائي "يعرفون انفسهم جّيدا".. بلا أقنعة ولا رتوشات ولا كونسيلر...
هم كما هم لم تغيّرهم الأزمنة ولا المسافات ولا الدّنيا الحقيرة.
سعيدة بعالمي المتقلّص، المنكمش كزبيبة خجولة منسيّة في عنقود هرم.
لا أطأ مسالك غيري ولا أحب أن تطأ أقدامهم مسالكي..
مكتفية باختياراتي وبشعبي الصّغير جدّاً الذّي اخترته لمدينة قلبي الضيّق.
بعد هذا العمر صرت أعرف جيّدا، أيّ الحفلات أرتاد، أعرف كيف أنسّق لكلّ فستان سهرته، و لكلّ دمعة مأتمها، لكلّ ضحكة شغفها، لكلّ كلمة حلقُها، لكلّ وجه صفعته...
شكرا كافكا لأنكّ قلت ذات مسلك..
"خجلت من نفسي حين أدركت أنّ الحياة حفلة تنكّريّة و أنا حضرتها بوجهي الحقيقي"
ومسالكي الحقيقيّة.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي