مقالات ادبية واجتماعية وفنية
مريم القريشي /كاتبة إيرانية
تقوم مسرحية «زورق خارون» على ما هو أبعد من الحكاية الظاهرة عن الذنب والعقاب والكوابيس المتكرّرة؛ فهي نصّ يشتغل في عمقه على كشف ما يُخفى، لا ما يُقال. إنّها مسرحية عن الصمت بوصفه جريمة، وعن التواطؤ الجماعي حين يتحوّل السكوت إلى نظام أخلاقي، وإلى عرفٍ اجتماعيّ يحمي الجناة ويترك الضحايا وحدهم في مواجهة المصير.
المسكوت عنه الأول في المسرحية هو المسؤولية. الجميع يعرف الحقيقة: طفلة غرقت، وكان بالإمكان إنقاذها، أو على الأقل انتشال جسدها ومنحها وداعاً إنسانياً. لكن أحداً لم يفعل. يتوارى هذا الامتناع خلف عبارات جاهزة: «الله يرحمها»، «المياه عميقة»، «الأطفال أحياء أولى بالرعاية». اللغة هنا تتحوّل إلى ستار أخلاقي يخفي الجبن، ويمنح التقاعس شرعية زائفة. ما لا يُقال صراحة هو أنّ الخوف على الذات كان أقوى من أي إحساس بالأبوة أو القرابة أو الإنسانية.
أما المسكوت عنه الثاني فيكمن في العنف الرمزي داخل العائلة. فالعلاقات الزوجية والأسرية تبدو في ظاهرها مستقرة، لكنها قائمة على اختلال عميق في ميزان السلطة. الرجل يملك حق الطلاق، وحق اتخاذ القرار، وحق التضحية بالآخرين باسم «الحب» أو «السعادة». ما لا يُقال هو أنّ هذا النظام العائلي ليس قدراً، بل بناء اجتماعي قاسٍ يُنتج الضحايا ثم يتبرأ منهم. الطفلة الغارقة ليست ضحية حادث عرضي، بل ضحية منظومة كاملة تُقدّم العادات والتقاليد على الحياة نفسها.
وتأتي حورية البحر بوصفها أكثر الشخصيات كشفاً للمسكوت عنه. فهي ليست مجرد كائن أسطوري، بل مرآة أخلاقية عارية. حضورها يفضح أنانية الرجل، ويعرّي مفهوم الحبّ الذي يقوم على الإقصاء والتدمير. المسكوت عنه هنا هو زيف الحبّ الذكوري حين لا يرى في الآخرين سوى عوائق. حورية البحر لا تعاقب الرجل، بل تتركه يواجه حقيقة نفسه: سعادته مبنية على شقاء الآخرين. رفضها له هو إدانة صامتة لمجتمع يسمح للرجل بأن يدمّر أسرته ثم يطالب بحقه في السعادة.
ومن المسكوت عنه الجوهري في المسرحية صوت الطفلة. فهي الغائبة الحاضرة، التي لا يُنصت إليها إلا بعد الموت. في حياتها، لم تُسمع كلمة «أحبك»، ولم تُؤخذ مخاوفها أو حاجتها إلى الحماية على محمل الجد. صوتها في الكوابيس ليس عودة خارقة، بل عودة الضمير المكبوت. إنّه تذكير بأنّ الأطفال دائماً يدفعون ثمن أخطاء الكبار، ثم يُطلب منهم أن يسامحوا. المسرحية لا تقول ذلك مباشرة، لكنها تجعله يتسرّب من بين الكلمات، ومن تكرار الهداهد، ومن الإلحاح المؤلم على سؤال: «لماذا نحن؟».
كذلك تكشف المسرحية المسكوت عنه في الدين والأخلاق المعلّبة. فالشخصيات تكثر من الاستعاذات والدعاء والترحّم، لكن هذه اللغة لا تُترجم إلى فعل. الإيمان هنا طقس لغوي لا التزام أخلاقي. ما لا يُقال صراحة هو أنّ التدين الشكلي قد يصبح أداة لتخدير الضمير، لا لإيقاظه. الكابوس، في هذا السياق، ليس عقاباً إلهياً بقدر ما هو نتيجة طبيعية لإنكار المسؤولية.
العرافة، من جهتها، تمثّل صوت الكشف، لكنها أيضاً تكشف حدود هذا الكشف. فهي تطرح الأسئلة ولا تقدّم خلاصاً جاهزاً. المسكوت عنه في حضورها هو أنّ المعرفة وحدها لا تكفي. يمكن للإنسان أن يعرف ذنبه، وأن يعترف به، ومع ذلك يستمر في الهروب. لذلك تعود الكوابيس دائماً؛ لأن الجرح لم يُشفَ، بل جرى تغطيته بطبقات جديدة من الصمت.
في النهاية، «زورق خارون» ليست مسرحية عن الموت بقدر ما هي عن الخوف من الحياة الأخلاقية. الحياة التي تتطلّب موقفاً، ومجازفة، وتحمّل تبعات القرار. المسكوت عنه الأكبر هو أنّ النجاة الفردية وهم، وأن المجتمع الذي ينجو فيه البعض على حساب الآخرين محكوم بتكرار المأساة. الكوابيس لا تنتهي لأن أسبابها لا تزال حيّة.
هكذا ينجح النص في تحويل الصمت إلى بطل خفي، وفي جعل ما لا يُقال أكثر حضوراً من الحوار نفسه. «زورق خارون» يضعنا أمام سؤال مزعج: كم طفلة يجب أن تغرق، وكم كابوساً يجب أن نراه، قبل أن نعترف بأن السكوت كان جريمتنا الأولى؟
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي