loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

نظرية أوفرتون وتحولات القبول الاجتماعي

breakLine
2026-03-20

 

حسين علي محمود/كاتب عراقي

إن ما يعرف بنافذة أوفرتون هو مفهوم يفسر كيف تتحرك الأفكار داخل المجتمع من الهامش إلى المركز وكيف تتحول من كونها مرفوضة أو صادمة إلى أفكار مقبولة بل ومقننة. وقد طرح هذا المفهوم الباحث الامريكي "جوزيف بي. أوفرتون" في سياق تحليل السياسات العامة حيث بين أن المجال السياسي لا يتحرك بحرية مطلقة، بل ضمن حدود يحددها ما يعتبره المجتمع مقبولاً في لحظة زمنية معينة. هذه الحدود ليست ثابتة، بل تتغير باستمرار تحت تأثير عوامل متعددة مثل الإعلام والثقافة والاقتصاد بحيث يمكن لفكرة كانت تعد مستحيلة قبل سنوات أن تصبح اليوم أمراً عادياً أو حتى قانوناً نافذاً.
تبدأ العملية عادة بطرح الفكرة في صورتها الأكثر صدمة حيث تعرض عبر وسائل إعلامية أو أعمال فنية بشكل يثير الرفض والاستنكار لكن هذا الرفض لا يعني الفشل، بل هو في حد ذاته خطوة أولى لأن الفكرة تكون قد دخلت حيز التداول.
فمجرد الحديث عن فكرة ما حتى لو كان في سياق الرفض يعني أنها لم تعد خارج نطاق التفكير ومع مرور الوقت يبدأ بعض المحللين والخبراء في تناول هذه الفكرة باعتبارها مجرد وجهة نظر قابلة للنقاش وغالباً ما يتم ذلك تحت شعارات مثل حرية التعبير أو التعددية وهنا تنتقل الفكرة من كونها محرمة إلى كونها موضوعاً مطروحاً للنقاش وهو تحول بالغ الأهمية.
بعد ذلك يعاد تقديم الفكرة بصيغة أكثر عقلانية حيث يتم ربطها بقيم كبرى مثل حقوق الإنسان أو الضرورات الاقتصادية أو حتى باعتبارها حلاً واقعياً لمشكلة قائمة وفي هذه المرحلة يبدأ جزء من المجتمع في النظر إليها بشكل أقل رفضاً، بل وربما يتبناها بوصفها خياراً منطقياً.
ومع استمرار التكرار والترويج تدخل الفكرة في الثقافة الشعبية من خلال الأعمال الفنية والإعلامية وتصريحات الشخصيات المؤثرة فتتحول تدريجياً إلى أمر مألوف ويبدأ الضغط الاجتماعي بالظهور حيث يشعر الأفراد بأن رفض هذه الفكرة قد يجعلهم خارج السياق العام أو غير منسجمين مع روح العصر.
تتحول الفكرة في المرحلة النهائية إلى سياسة رسمية أو قانون وهنا يحدث انقلاب في الموقف الاجتماعي، إذ لا يعود النقاش حول شرعية الفكرة بقدر ما يصبح حول ضرورة الالتزام بها وقد ينظر إلى معارضيها على أنهم متخلفون أو غير مواكبين للتطور.
وبهذا تكون النافذة قد تحركت بالكامل دون أن يشعر كثير من الأفراد بحجم التغير الذي حدث.
إن تأثير هذه العملية على أفكار الأفراد عميق ومعقد لأن الإنسان لا يشكل قناعاته في فراغ، بل ضمن بيئة اجتماعية وثقافية تؤثر فيه باستمرار.
ومع تكرار عرض فكرة معينة يبدأ ما كان غريباً في الظهور بشكل مألوف ثم يتحول إلى جزء من الواقع المقبول.
ويعتمد هذا التحول على التدرج لأن العقل البشري يميل إلى رفض التغيرات المفاجئة لكنه يتكيف مع التغيرات البطيئة خصوصاً عندما تقدم في سياق يبدو منطقياً أو أخلاقياً.
كما يلعب ما يمكن تسميته بالإجماع الظاهري دوراً مهماً حيث يعتقد الفرد أن أغلبية المجتمع بدأت تتبنى فكرة معينة بسبب حضورها المكثف في الإعلام حتى لو لم يكن ذلك دقيقاً، فيميل إلى تعديل موقفه تجنباً للعزلة أو النقد.
ولا يتوقف الأمر عند حدود الأفكار، بل يمتد إلى السلوك الاجتماعي حيث تتحول القناعات الجديدة إلى ممارسات ثم إلى عادات مستقرة مما يؤدي إلى إعادة تشكيل منظومة القيم داخل المجتمع.
وما كان يعتبر سابقاً سلوكاً مرفوضاً قد يصبح لاحقاً أمراً عادياً، بل وربما مطلوباً وهو ما يخلق في كثير من الأحيان حالة من التوتر أو الصراع بين الأجيال أو بين التيارات الفكرية المختلفة.
فالتغير السريع في القيم قد يولد شعوراً لدى بعض الأفراد بأن هويتهم مهددة فيدفعهم ذلك إلى التشدد أو الرفض المطلق بينما يندفع آخرون نحو تبني كل جديد دون تمحيص.
وتلعب وسائل الإعلام دوراً محورياً في هذه العملية إذ لا تقتصر وظيفتها على نقل الواقع، بل تسهم في تشكيله وإعادة تعريفه من خلال اختيار ما يتم عرضه وكيفية عرضه.
فالأعمال الدرامية والكوميدية والبرامج الحوارية وحتى المحتوى الرقمي على وسائل التواصل الاجتماعي كلها أدوات تساهم في إعادة رسم حدود المقبول والمرفوض.
وغالباً ما يكون هذا التأثير غير مباشر بحيث لا يشعر الفرد بأنه يتعرض لعملية تغيير ممنهجة، بل يظن أنه يتبنى مواقفه بحرية كاملة.
ومع ذلك يبقى الجدل قائماً حول طبيعة نافذة أوفرتون فهناك من يراها مجرد أداة تحليلية لفهم كيف تتغير الأفكار داخل المجتمع بينما يعتقد آخرون أنها تستخدم بشكل واعٍ لتوجيه الرأي العام وصناعة القبول التدريجي لأفكار معينة. وربما تكمن الحقيقة في منطقة وسطى حيث لا تكون كل التحولات مخططة بالضرورة لكن كثيراً منها يتم استثماره وتوجيهه بما يخدم مصالح معينة.
وعند ذاك يصبح الوعي النقدي ضرورة أساسية بحيث لا ينجرف الفرد وراء كل ما هو شائع ولا يرفض كل ما هو جديد، بل يحاول فهم السياق الذي تظهر فيه الأفكار والجهات التي تروج لها والدوافع الكامنة وراءها.
فالمشكلة لا تكمن في التغير بحد ذاته لأن التغير جزء طبيعي من حياة المجتمعات، بل في غياب الوعي بآلياته مما يجعل الأفراد عرضة للتأثر دون إدراك.
تكشف نافذة أوفرتون في النهاية أن التحولات الكبرى لا تحدث فجأة، بل تتسلل تدريجياً إلى العقول حتى تصبح جزء من الواقع الذي يبدو بديهياً رغم أنه كان في وقت قريب موضع رفض قاطع.

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي