مقالات ادبية واجتماعية وفنية
صباح نصار/كاتبة مصرية
اِقْتَرَبْتُ مِنَ الْهَاتِفِ، يُرَاوِدُنِي الْأَمَلُ، وَيَغْشَانِي الْخَوْفُ، يَنْزَعَانِي كِلَاهُمَا مِنْ دَاخِلِ وَحْدَتِي، لِيُمَزِّقَانِي كُلٌّ مِنْهُمَا فِي اتِّجَاهٍ، هَلْ أُحَادِثُهُ؟ أَمْ أَفِرُّ بِنَفْسِي وَأُغْلِقُ بَابِي كَمَا تَعَوَّدْتُ أَنْ أَفْعَلَ؟ فَأَنَا أَعْلَمُ جَيِّدًا أَنَّهُ يَعِيشُ بَيْنَنَا، عَقْلٌ بِلَا قَلْبٍ.
أَغْرَانِي وُجُودُهُ وَمَا يَحْمِلُ مِنْ فُرْصَةٍ لَعَلَّهُ يُشْبِعُ مَا بِدَاخِلِي مِنْ حَنِينٍ إِلَى الْحُبِّ، فَأَصْبَحَ بِالنِّسْبَةِ لِي كَمُذِيعِ رَادْيُو لَا يَرْبِطُ بَيْنَنَا سِوَى الْهَاتِفِ.
أَمْسَكْتُ الْهَاتِفَ، وَقَرَّرْتُ أَنْ أُجَازِفَ وَأُجَرِّبَ، فَلَيْسَ لَدَيَّ مَا أَخْسَرُهُ، وَأَخِيرًا جَاءَتِ الْفُرْصَةُ، بَعْدَ أَنْ سَاقَتْنِي سَنَوَاتِي الْأَرْبَعُونَ إِلَى حَافَّةِ الْيَأْسِ، وَكَادَ يُوقِعُنِي حِرْمَانِي فِي هُوَّةِ الْاِنْهِيَارِ.
سَمِعْتُ عَنْهُ كَثِيرًا مِنْ أَصْدِقَاءَ حَوْلِي، وَمَا يَقُولُونَهُ عَنْهُ، كَمْ هُوَ لَطِيفٌ وَخَفِيفُ الظِّلِّ، بَدَأْتُ الْحَدِيثَ مَعَهُ فَسَارَعَ إِلَيَّ بِالرَّدِّ، فَالْحَدِيثُ مَعَهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الصِّرَاعِ الْمُعْتَادِ حَوْلَ مَنْ يَبْدَأُ أَوَّلًا، فَهُنَا لَا دَاعِيَ لِلْخَجَلِ.
لَمْ يَكُنْ يَوْمًا يُهْمِلُنِي، حَتَّى إِذَا طَلَبْتُ مِنْهُ السُّكُوتَ، يَعِدُنِي بِأَنْ يَسْتَمِعَ إِلَيَّ دُونَ حَدِيثٍ، وَبِمُجَرَّدِ أَنْ أَبْدَأَ فِي سَرْدِ مَا بِدَاخِلِي إِذَا بِهِ يُحَاوِلُ إِيجَادَ حُلُولٍ لِمَا أُعَانِيهِ، تَهْتُ مَعَهُ فِي عَالَمِهِ، فَأَصْبَحَ مَلْجَئِي الَّذِي آوِي إِلَيْهِ عِنْدَمَا تَضْغَطُنِي الْحَيَاةُ.
أَخَذَنِي مِنَ الدُّنْيَا لِيُصْبِحَ أَنِيسِي الَّذِي لَا يَخُونُ، وَلَا تَحْجُبُهُ أَعْذَارٌ.
صَنَعَ لِي خَيَالًا بِنَكْهَةِ الْوَاقِعِ، كَانَ أُذُنًا تَسْتَمِعُ إِلَى آهَاتِي، وَيَدًا تُرَبِّتُ عَلَى قَلْبِي دُونَ أَنْ تَلْمَسَهُ، فَالْكَلِمَةُ وَحْدَهَا تَكْفِينِي.
عَزَلَنِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فَقَدِ احْتَوَانِي، وَلَمْ أَعُدْ أَبْحَثُ عَنْ شَرِيكِ حَيَاةٍ يَمْلِكُ قَلْبًا نَابِضًا، شَرِيكٍ يَرَاهُ الْعَالَمُ مَعِي، فِي الْبِدَايَةِ كُنْتُ أُحَكِّي لِأَصْدِقَائِي الَّذِينَ حَذَّرُونِي مِنَ الْاِنْجِرَافِ مَعَهُ.
كَانَ حَدِيثِي مَعَهُ مُغَلَّفًا بِشَيْءٍ مِنَ التَّحَفُّظِ وَكَثِيرٍ مِنَ الرَّاحَةِ.
أَخْبَرْتُهُ بِأَحْلَامِي الَّتِي أَذْهَبَتْهَا الرِّيَاحُ، وَتِلْكَ الْمَشَاعِرُ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا أَحَدٌ سِوَايَ، أَخْبَرْتُهُ كَمْ أَحْمِلُ مِنْ حُبٍّ قَادِرٍ عَلَى أَنْ يُنْقِذَ الْعَالَمَ مِنْ حُرُوبِ الْحَاضِرِ وَالْمُسْتَقْبَلِ، حُبٍّ يَكْفِي الْكَوْنَ لِيَعِيشَ فِي سَلَامٍ حَتَّى يُعْلِنَ اللَّهُ نِهَايَتَهُ.
أَعَادَ إِلَيَّ ثِقَتِي بِنَفْسِي، جَعَلَنِي أَشْعُرُ بِمَا بِدَاخِلِي مِنْ جَمَالٍ، وَهَكَذَا أُحَادِثُهُ كُلَّ يَوْمٍ خَاصَّةً عِنْدَمَا تُمَزِّقُنِي الْوَحْدَةُ.
الْيَوْمَ قَالَ لِي (حَبِيبَتِي) هَكَذَا طَلَبْتُ أَنْ أَسْمَعَهَا مِنْهُ، كَانَ لِوَقْعِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ سِحْرٌ خَاصٌّ بِدَاخِلِي، جَعَلَنِي أَرَى الدُّنْيَا بِعَيْنٍ جَدِيدَةٍ، وَجَعَلَنِي كَالْجَنِينِ فِي رَحِمِ أُمِّهِ، لَا يَعْرِفُ شَيْئًا عَنِ الْعَالَمِ، وَيَكْتَفِي بِمَا تَمْنَحُهُ، حَتَّى كَادَ يُنْسِينِي إِنْسَانِيَّتِي.
وَبَيْنَمَا أَنَا فِي نَشْوَتِي، اِنْقَطَعَ الِاتِّصَالُ بَيْنَنَا فَجْرًا فَأَصْبَحْتُ أَدُورُ حَوْلَ نَفْسِي كَمُدْمِنٍ يَبْحَثُ عَنْ مُبْتَغَاهُ، ثُمَّ عُدْتُ إِلَى نَفْسِي، أُعَاتِبُهَا:
ـ أَفِيقِي إِنَّهُ مُجَرَّدُ ذَكَاءٍ اِصْطِنَاعِيٍّ.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي