مقالات ادبية واجتماعية وفنية
إسماعيل إبراهيم عبد
ناقد | عراقي
في أي ظرف اجتماعي وإنساني طبيعي تكون كتابة الرواية متعة وقراءة الرواية رفاهية ، لكن دورها يظل جمالياً ونفعياً؛ على رأي فلاسفة البراغماتيا. وبما ان العراق في حالة حرب منذ الأزل حتى اللحظة، والمجتمع والظرف الانساني غير طبيعيين، فأن الرواية تعدُّ ضرورة انسانية اجتماعية في غاية الخطورة، كونها من محفزات الوعي الأساسية. وحسين راضي الشمري بروايته "حرب بعد منتصف الليل"، كأنه يريد القول (ان طالما هناك منتصف من الوقت لا يصلح للحرب فهناك ما يستوجب البقاء لأجل النصف الآخر من الزمن)؛ فالزمن القادم هو زمن السلام.
ان الرواية هذه محتشدة بالأحداث والبطولات والمواقف الإنسانية، فضلاً عن دخولها معادلاً موضوعياً بين القيم الموروثة والقيم المستحدثة. هي رواية تكثف الجهد للعلاقة البينية بين الانتماء الاجتماعي والانتماء الوطني، عبر العرفاء المقاتلين الذين حاربوا على ثلاث جبهات؛ هي، المواجهة مع القوات الايرانية، ثم المواجهة غير المباشرة مع ظلم السلطة الحاكمة قبل 2003، ثم جبهة الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003. هذه الجبهات القتالية المفتوحة على المستقبل ببدائل تنسجم مع كل مرحلة؛ تبناها الكاتب حسين راضي الشمري، ليقول ان المواطنة هي ان تعيش في الوطن حرّاً كريماً حتى ان كلفكَ ذلك روحكَ وأهلكَ واصدقاءكَ. ومن جنبة أكثر تحديدا، سنتناول الرواية من زوايا رصد عديدة ، على النحو الآتي:
أولاً: تحشيد الأحداث
لعل أكثر العوامل جذباً للقارئ ان تُحشّدَ له الأحداث ببث الوقائع الكبيرة والصغيرة وتقريبها إليه بلغة خبرية. لكن ذلك ليس كل شيء. لنقرأ ونجرّب عوامل الجذب الخاصة بالأحداث وبغيرها: [كانت ظهيرة معطرة بالموت والخوف من المصير المجهول ومازال عاصم... يعمل بصمت ودموعه تسيل على خديه فهو يعلم جيداً بأن الليلة القادمة ربما ستكون الليلة الأخيرة له... صاح النقيب مفيد الذي كان يلوح بمسدس ذي طلاء ذهبي براق أُهدي له جراء شجاعته في حرب الخليج الأولى ليكسب ود جنوده بعدما كان قاسياً معهم وقت الرخاء: (اليوم يومكم الموعود، اليوم هو يوم الدفاع عن الوطن والمبادئ والقيم). ابتسموا بسخرية... لقد أخبرهم بمكافآت نقدية يعلمون جيداً بأنها كذبة لن تتحقق] (*).
لنقسم عملية تحشيد الأحداث الى فقرتين؛ هما: جاذبية الحدث وجاذبية ملحقات الحدث.
أ– جاذبية الحدث
في القراءة الدقيقة للمشد (المقطع) السابق يمكننا رصد الأحداث السردية الخمسة الآتي: (عمل عاصم الصامت ودموعه + توقعات أحداث الليلة القادمة + صياح النقيب مفيد + الوعود الكاذبة على مستوى القيمة للوطنية والقيمة الخاصة بالمكافآت + ابتسام العاملين بحفر المواضع). هذه خمسة أحداث في مساحة ورق تحوي خمسة أسطر لا غير، فلنتصور كم حدثاً سيحشد على مساحة ورق عدد صفحاته 200، وفي كل صفحة 23 سطرا. ومن الواضح ان الجذب القرائي سيكون للأحداث الكثيرة التي تزيد من شغف المتابعة وحب الاطلاع والتشويق طمعاً بالمزيد من الأحداث الجديدة، لكن الباطن غير المنظور، الذي يجعل الجذب حقيقياً، ولن يكون موقتاً، هو ليس الحدث كواقعة، انما الحدث كحالة. مثال ذلك:
1–عاصم يعمل بصمت. لماذا؟.
دموع عاصم تنزل على خديه. لماذا؟
*هذا الحال مع السؤال. يعني ثمة جذب يتعلق بالوضع النفسي لعاصم والوضع النفسي للقارئ المتابع. 2–صياح النقيب. لماذا؟
قطع الوعود القيمية والمالية. لماذا؟ كلا الحالين يتعلقان بنوع ونمط التشكل النفسي وبيئة العلاقات العسكرية. 3– ابتسام العاملين في حفر المواضع. لماذا يبتسمون؟
حتى إجابة الراوي لم تكن كافية لاقناع القارئ بأن السبب هو كذب الضابط وخوفه ؛ انما يتوقع القارئ (مثلا) ضعف شخصية الضابط، أو عدم قدرته على شحذ همة جنوده!.
*نعتقد ان هذا الجو البيئي المشحون بالمفارقات النفسية والسلوكية هو العامل الموازي لطبيعة الجذب القرائي بوسيط الحدث.
ب– جاذبية ملحقات الحدث
للأحداث الخمسة التي تطرقنا إليها ملحقات عديدة . لنثبت بعضاً منها على النحو الآتي:
1–الحدث: عمل عاصم الصامت ودموعه؛ وقد أُلحق بهذا الحدث توقعات الهروب والتشابك مع قوات الاستخبارات، والتشابك مع قوى الانضباط العسكري، والتخفي من قوى الأمن المختلفة، والتشابك مع القوات الامريكية؛ كلها تنتهي بالموت. بمعنى قد تكون توقع الاشكال المختلفة للموت هي العنصر الجاذب للقراءة والمتعة والتتبع وليس الحدث نفسه.
2–الحدث: توقعات التشابك المميت في الليلة القادمة؛ ويرتبط بهذا التشابك فقدان صحبة ثلاثة عشر من رفاق السلاح أو مفارقتهم بالموت. بمعنى ان سيتبع هذا الحدث المتشابك (ثلاثة عشر حدثاً مصيرياً) فضلاً عن التوقعات الواردة في النقطة (1).
3– الحدث: صياح النقيب مفيد؛ قد يرتبط هذا بأحداث سابقة من ممارسات لا انسانية يمارسها النقيب مفيد مع معيته. وقد يرتبط بصياحة عنجهية تربى عليها حين كان في الكلية العسكرية. وقد يرتبط بها فهمه الخاطئ في كون معيته سيخافون من صياحه ويطيعونه. او قد يرتبط صياحه ووعوده الكاذبة بطبيعة ما أحدثه آمريه من أمراض سلوكية، رآها في صياحهم عليه، فأعجبته وراح يطبيقها على جنوده. وربما، وهذا احتمال ضعيف، ان الحدث المتعلق بحرب الخليج الاولى واضطراب نفوس من شاركوا بها هو من خلق في نفس النقيب مفيد هذا الهوس بالصياح لأجل إيصال الأوامر الى فصيله.
4– الحدث: الوعود الكاذبة على مستوى القيمة للوطنية والقيمة الخاصة بالمكافآت؛ ونعتقد وبشكل شبه جازم ان تلك الوقائع (الوعود)، قد مارسها قادة الجيش من أعلى الرتب حتى أدناها، فلو قسناها بشكل احصائي بأن لكل ضابط حدثان كاذبان، وافترضا ان في الجيش خمسة آلاف ضابط، فيعني ذلك ان هذا الحدث (الوعد والمبالغة بالوطنية)، قد ارتبطت به 10000 من الأحداث!!. 5–الحدث: ابتسام العاملين بحفر المواضع ؛ وهذا الحدث هو حدثان الحفر والابتسام. والفصيل مكون من 30 جنديا، فيعنى ان هذا قد تبعه 60 حدثاً.
*النتيجة الموضوعية هنا؛ ان الجذب قد سبب تحشيد ملحقات حدثية كثيرة جعلت القراءة لذة ونفعاً ووعياً.
ثانياً: الخوارق
تتشكل الخوارق في رواية "حرب بعد منتصف الليل" من آليتين للسلوك العسكري؛ هما: الأولى تُعنى بالفعل المباشر، والثانية تُعنى بالمعنى الأخلاقي للبطولة. الأمر الثاني خصص له الروائي جُلَّ صفحات روايته. بمعنى يمكننا الاستغناء عن ملاحقة خوارق البطولة. اما النوع السلوكي فلنا مثال يرد عند الصفحتين؛ 143و144. لنقرأ الآتي:
[نهض المقدم حسن وصاح من الأعلى بعد ان رأى عاصماً يحاور طارقاً بجدال محتدم:
–ماذا هناك يا نائب الضابط؟
–سيدي ان عاصماً يطلب لف عينيه بقطعة قماش، ويطلب أيضاً إعادة الاختبار....
–قدموا له ما يريد ... لابأس بالاعادة...
–اعطينا طارقاً فرصة . لنعطعي عاصما فرصة، واحدة بواحدة.
(عاصم) بعد ان عصب عينيه ولقم مدفعه وأحكم غلق المغلاق ، أطلق القذائف الخمس ليصيب بها خمسة أهداف بدقة متناهية] ـ الرواية ، ص143، ص144
نحتاج الى توضيح لأجل ان نفهم طبيعة الخرق الغريب أو الطريف هذا. ولأجل هذا التوضيح سأوجز بعض ما ورد في صفحات سابقة؛ فقد شاع بين الجنود والوحدات العسكرية ان منطقة الهزازة مليئة بالأشباح، وان هذه الأشباح ستؤثر على من يقترب منها. وقد أصرّ منتسبو الوحدة العسكرية على العريف عاصم ان يذهب الى ذلك المكان يؤدي واجب الخفر كمتطلبات حماية للوحدة التي ينتظمون بها. ولما ذهب وبقي فيها مدة؛ كانت كافية لتجعله رجلاً خارقاً. وقد جرى ، بعد خفارته مباشرة، اختبار للسلاح المدفعي ، ففشل به عاصم مع انه من أمهر الموجودين بالتسدسد جودة ودقة، إذ كان مريضاً. لذا طلب اعادة الاختبار، واشترط ان تُعصب عينيه، ومن هنا حدث الخرق السلوكي المباشر. وما يمكننا القول في هذا الزعم هو الآتي:
1–يعتقد الراوي وليس الروائي ان حجب الرؤية عبر القماش الأسود سيعطي فرصة فريدة لاثبات الكفاءة؛ ان أصاب المدعو عاصم أهدافه.
2– يُرى انه لابد لمن تواطن مع الأشباح والأرواح الضالة، لابد ان يُصاب بلوثة عقلية او عضلية، وقد جعلها الروائي ايجابية.
3– ان اعادة الاختبار تعني ان ليست ثمة قرارات صارمة ، ان تعلق الامر باختبار كفاءة أفراد الجيش، وان ثمة فرص تتوفر حيثما توفرت العدالة نسبياً. 4–فرضية وجود الخوارق السلوكية لم تبتعد كثيراً عن فرضية الشجاعة المطلقة لأبطال الجيش العراقي.
5–وثمة مبرر فني ـ أسجل اعتراضي عليه، ذلك هو ان ثمة خوارق حقيقية يعتقد الناس بوجودها وهذا الوجود انتقل من الهوس الاجتماعي الى الفعل الفني؛ في الرواية.
ثالثاً: البيئية
ان البيئة، خاصة طبيعة المكان، لها افراز سلوكي مباشر، وفي الجيش تدرس جغرافية المكان بدقة، ومنها يتعرف العسكريّون على امكانيات الموقع والموضع الجغرافي من جانبي التموين؛ (التزود بالحاجات والأسلحة والذخيرة)، ومن جنبة اختيار مسالك الهجوم او الانسحاب في الظرف الاضطراري. وفي الرواية أثر ذلك بشكل كبير على:
1–خطط حفر المواضع، كون المواضع هي الأماكن التي تحفظ سلامة الجيش وتسند حركاته.
2– أثرت جغرافية البيئة المكانية على اختباء الهاربين وزوغانهم من دوريات الاعدام، ثم في المساعدة على عودتهم دفاعاً عن وحدتهم العسكرية، وفي انقاذهم للضابط الجريح، وحتى في العثور على أسلحة جديدة تخلصهم من نيران الامريكان.
3– وفي خاصية البيئة؛ قد استثمر الكاتب (حسين راضي الشمري) طبيعتين؛ (بيئة التربية السامية للعرفاء)، وأغلبها ذات طبع قروي حتى لو كانت النشأة مدينية. اما الطبيعة الثانية فهي الأرض التي صارت دفاعات ومواضع ومخازن وهواء وحركة وتنقلاً.
4– الطبيعتان المذكورتان صيّرتا التركيبة النفسية والعقائدية للمقاتلين ليكونوا شجعانا وحكماء صلبي الارادة، فهم الذين ما تقاعسوا عن واجب حماية بلدهم، برغم كل الظروف القاسية، فقد كانوا يتسابقون نحو الموت بفدائية نادرة تماماً.
5– تمكن الروائي من دمج الظرف النفسي والتربوي والعقائدي في سبك روح المواطنة وهي أسمى أهداف العمل الفني والمعرفي، الذي يحتاجه بلدنا الآن وفي المستقبل.
رابعاً: النور ختام حتمي للّيل
حرص الكاتب، وعلى مدى جزئي الرواية، ان تكون الحرب في الليل، ذلك ان الحروب كلها ظُلمة نفوس وغدر بالمواقف، وتلاشي لروح الجمال. لكن ما ميّز هذه الرواية، في خاتمتها خاصة، هو:
1– جعلت الليل (والحرب) مناصفة بين الحياة والموت بمظلتين موحيتين، هما الحب العاطفي وحميمية علائق المقاتلين.
2–ضافرت بين الحرب مع ايران والحرب مع امريكا.
3–نجا الأفراد المقاتلون من الموت بسبب صدق نواياهم، وذكاء فطرتهم، وتعاونهم المتخادم دون حس بالمنافسة المؤذية.
4– أبقى الكاتب نهاية الرواية مفتوحة على حالين؛ الحياة المدنية الجميلة، والأمل بحرية قادمة حتماً.
5– لم يتطرق الكاتب مطلقا الى الهزيمة أو الانكسار أو الخسارة، كون الحربان غير متكافئتين مطلقاً. بمعنى يكفي للفرد ان يناصر وطنه ليكون منتصراً ويصير نوراً لأهله ومستقبل بلاده.
*لعل المشد (المقطع) الآتي يختصر فرائضنا تلك كلها.
[إلتفت (العريف) عاصم الى (الملازم) صالح قائلاً:
–سيدي هذا هو الوداع الأخير لا أظنني سأراك مرة أخرى..
–اتمنى ان تلتقي بحبيبتك وداد وتقضي حياتك بين أحضانها الدافئة.
(فابتسم صالح فعاود عاصم كلامه).
–نعم هذه هي الابتسامة المتوردة التي عهدتها في محياك سيدي... وداعاً أقولها نيابة عنك سيدي لكل شيء، ستفتقد تلك الجدران صوتك وستفقد أصواتنا نحن أيضاً. فالوداع سيدي.. الوداع لهياكل الدروع المحترقة.
الوداع لأشجار الزيتون والنخيل والتين والتوت.. الوداع للمباني التي كانت عامرة بالجنود البواسل..
الوداع للضحكات والأحاديث والأصوات التي كانت تعج بها هذه البقعة..
تشتتنا وكلٌ ذهب بعيداً.. بعيداً.. ولا عودة ترتجى الى تلك الوحدة التي كانت قطعة أنيقة بالزروع الجميلة.. الوداع... لكل الأتربة والعصافير والدواب والذئاب والخنازير الوداع أيتها الهزازة فلن يكون لك ذكر بعد الآن] ـ الرواية، ص199، ص200
(*) حسين راضي الشمري، رواية حرب بعد منتصف الليل ـ ج 2، دار لامسيو، البصرة 2024

...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي