loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

المدّاحون الجدد

breakLine
2026-06-20

عبد الكريم حمزة عباس
ناقد | عراقي

 


لم يكن أكثر ما يثير دهشتي في الوسط الأدبي هو وجود الكاتب الضعيف، فالضعف جزء من الطبيعة البشرية، ولا يوجد عصر خلا من أصحاب المواهب المحدودة، لكن ما أثار استغرابي حقًا هو أن بعض هؤلاء لم يصلوا إلى الواجهة بفضل ما كتبوا، بل بفضل ما كُتب عنهم، وما قيل فيهم، وما أُحيطوا به من هالة مصنوعة بعناية.
هناك، في زوايا الندوات، وفي مقدمات الأمسيات الأدبية والثقافية، وعلى صفحات الصحف ومواقع التواصل، ظهرت فئة جديدة من المدّاحين لا يحمل أفرادها دفوفًا ولا ينشدون القصائد أمام الأمراء كما كان يفعل مدّاحو العصور القديمة، بل يرتدون ثياب النقاد والمثقفين ويتحدثون بلغة نقدية براقة، لكن وظيفتهم الحقيقية ليست النقد وإنما التمجيد،
إنهم يصنعون الأسماء أكثر مما يكتشفونها
يمنحون الألقاب الكبيرة بسخاء غريب فهذا "شاعر استثنائي"، وذاك "روائي لا يشق له غبار"، وآخر "ظاهرة أدبية فريدة"، حتى أصبحت هذه الأوصاف كثيرة إلى درجة فقدت معناها، وما إن تقترب من النصوص نفسها، حتى تكتشف أن الضجيج كان أعلى من القيمة، وأن الشهرة سبقت الاستحقاق.
إن المدّاح القديم كان واضحًا في غايته فهو يمدح ليكسب المال أو الحظوة أو الجاه، أما المدّاح الجديد فغايته أكثر تعقيدًا فقد يمدح من أجل موقع داخل جماعة ثقافية، أو بحثًا عن شهرة متبادلة، أو خوفًا من العزلة، أو طمعًا في منفعة مستقبلية.
لقد نشأت في الأوساط الأدبية شبكات من الإطراء المتبادل، يكتب أحدهم مقدمة لكتاب الآخر، ثم يرد الآخر الجميل بمقالة مديح، ثم يأتي ثالث ليقيم ندوة احتفائية، وهكذا تتكون دائرة مغلقة لا تكون فيها جودة النص هي معيار الحكم، وإنما العلاقات الشخصية والمصالح المشتركة.
ومع مرور الوقت تتحول المجاملة إلى عرف، والاعتراض إلى جريمة غير معلنة.
إن أخطر ما يفعله المدّاحون الجدد ليس رفع شأن كاتب ضعيف فحسب، بل إرباك الذائقة الأدبية ذاتها، فحين يُقدَّم النص العادي على أنه عمل استثنائي، يفقد القارئ قدرته على التمييز، ويختلط الجيد بالرديء، وتصبح الشهرة دليلًا على الجودة، مع أن التاريخ الأدبي يعلمنا أن الشهرة قد تُصنع، أما القيمة الحقيقية فلا تصمد إلا بامتحان الزمن.
لقد سقطت أسماء كانت تملأ الدنيا ضجيجًا، وبقيت أسماء أخرى عاشت في الظل زمنًا طويلًا ثم أنصفها التاريخ، فالأدب الحقيقي لا يحتاج إلى جيش من المصفقين، بل يحتاج إلى قارئ صادق وناقد أمين.
وليس المقصود من هذا المقال أن تنصب محكمة للأشخاص، أو أن توزع الأحكام على هذا الكاتب أو ذاك، بل أن يتأمل  القاريء ظاهرة أخذت تتجذر في الحياة الثقافية، ظاهرة أصبح فيها المديح مهنة، وأصبحت الشهرة مشروعًا يُدار، وأصبح بعض المدّاحين أكثر تأثيرًا من النصوص نفسها.
إن السؤال الذي يواجهنا ليس: من هم المدّاحون؟
بل السؤال الأهم:
كيف وصل الوسط الأدبي إلى مرحلة يحتاج فيها الكاتب الضعيف إلى مدّاحين كي يعيش، ويحتاج فيها المدّاح إلى كاتب ضعيف كي يستمر؟
ومن هذه النقطة ندعوا أصحاب الاختصاص و الجامعات والأكاديميات المختصة إلى دراسة لا تبحث عن الأسماء بقدر ما تبحث عن الآليات، ولا تطارد الأشخاص بقدر ما تحاول فهم ثم إيجاد علاج للمرض الخطير الذي أصاب جزءًا من حياتنا الثقافية و الأدبية.

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي