loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

سحّاب مكسور

breakLine
2026-07-03

عبد الكريم حمزة عباس
كاتب | عراقي

 


دخلتُ المدينة التي أراها لأول مرة ومعي حقيبة سوداء قديمة ورثتها من أخي الأكبر، سحّابها لا يُغلق تمامًا، كنت أضغط عليه كلما مشيت، كأنني أخشى أن تنكشف أشيائي أمام الآخرين.                                                                                                        
لا أعرف لماذا أذكر هذا الآن، ربما لأن الخوف لم يكن من الحقيبة وحدها، بل من أشياء أخرى كثيرة لا مجال لذكرها.      
في محطة القطار، حين ودّعت أهلي، لم تبكِ أمي كانت تمسك طرف عباءتها بقوة، كأنها تشدّ شيئًا لا أراه
قالت: أرسل رسالة حين تصل.       
هززت رأسي.. لم أقل لها إن الوصول يخيفني أكثر من الطريق.
كنتُ خجولًا، خجلي لم يكن ارتباكًا عابراً، كان شعوراً خفياً بأنني زائد قليلاً عن الحاجة، في المدرسة، في الحي، حتى في البيت أحيانًا.           
في حيّنا المتواضع أحببتُ فتاة من بعيد، من خلف نافذة تقريبا، لم أكلّمها ولم يحدث بيننا ما يمكن أن يُسمّى فشلًا، ومع ذلك شعرتُ بخسارة، في الأسبوع الأول في الجامعة، جلستُ في الصف الثالث من قاعة المحاضرات، على الطرف ليس بعيدًا كي لا أبدو منطويًا، ولا في الأمام كي لا أُرى أكثر مما أحتمل.
دخلتْ متأخرة قليلًا كان شعرها مربوطًا بإهمال، كأنها لم تمنح المرآة وقتًا كافيًا، جلست أمامي بمقعدين  يا للمصادفة... كانت تشبهها إلى حدٍ أربكني.
حين عرّفت نفسها ذكرت مدينتها أولًا ثم قوميتها ثم اسمها قالت ذلك ببساطة بلا تحدٍّ ولا اعتذار، حينها شعرتُ أنني أقف خارج ترتيبٍ مبهم لا أعرف أين أضع نفسي فيه.
في نقاش داخل القاعة، قالت:
نحن دفعنا الثمن الأكبر  في تلك الفترة لم تنظر إليّ ولم تكن تخاطبني تحديدًا،  لكن كلمة "نحن" وضعتني فجأة في مساحة اسمها "أنتم".
في المساء، في غرفتي في القسم الداخلي، ظلّت الكلمة تتردّد  في رأسي كنت بالكاد أتعلم أن أكون "أنا"، فكيف صرت فجأة جمعًا؟.
القسم الداخلي له رائحة غسيل لم يجفّ تمامًا، وطعام بارد، وممرات طويلة،كنت أستلقي على السرير وأحدّق في السقف أسمع أصوات أهلي في ذاكرتي، فينكشف  في داخلي شيء يشبه سحّاب  الحقيبة الذي أضغطه طوال النهار.
كتبت اسمها مرة على طرف الدفتر، بخط صغير نظرتُ إليه طويلًا، ثم مسحته بإبهامي حتى بهت الحبر  ،بقي أثر خفيف كأنه ظلّ اسم لا يريد أن يختفي تمامًا.
في حديقة الجامعة، قلت  لها يومًا:  أشعر أنكِ قريبة مني، لم أشرح ماذا أعني، نظرت إليّ  بهدوء وقالت: أنا مختلفة عنك وهذا ليس شيئًا يمكن تجاوزه بسهولة، لم يكن في صوتها قسوة، بل وضوح.
وللمرة الأولى، شعرت أنني لا أراها كما هي، بل كما أحتاجها أن تكون، كنت أبحث عن شبهٍ قديم وأرتبك أمام اختلافٍ حقيقي.
مرّت الأيام من دون تحوّل مفاجئ.
لكنني بدأت ألاحظ ما لم أكن أراه: طلابًا يجلسون معًا رغم اختلافهم، نقاشات حادة تنتهي بابتسامة، كلمة "نحن" تُقال أحيانًا دون إقصاء، أدركت أن المشكلة لم تكن في الجمع، بل في خوفي أنا من أن أبقى خارج أي صيغة انتماء.
قبل التخرّج  بأيام رأيتها في ساحة الجامعة تضحك مع صديقاتها، تبادلنا نظرة عابرة، رفعت يدها بتحية خفيفة، فرددت التحية، لم أشعر بانقباض في صدري شعرت فقط أنني لم أعد أبحث عن نفسي في وجه أحد، حين عدتُ إلى مدينتي وإلى  بيتي، قالت أمي إنني تغيّرت.
لم أسألها كيف.
كنت أعرف أن التغيير لم يكن في ملامحي، بل في المسافة بيني وبين الأشياء لم أعد أركض خلف الشبه، ولم أعد أخاف من الاختلاف كما كنت، في تلك الليلة فتحت حقيبتي القديمة، كان السحّاب ما يزال مكسوراً، هذه المرة لم أحاول الضغط عليه تركته ينفتح على آخره، ولم يسقط من الحقيبة شيء.

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي