مقالات ادبية واجتماعية وفنية
ناريمان علوش
كاتبة | لبنانية
ما هي المشاعر؟ ولماذا أكتب عنها الآن؟!
جميعنا يشعر بأن شيئاً ما يتحرك في أعماقه؛ مرةً كرعشة خفية لا يلحظها أحد، ومرةً كنهرٍ دافئ يغسل الروح، وأحياناً كجمرةٍ تتوهجُ في الصدرِ حتى تكاد تحرق صاحبها.
فما الذي يحدث داخلنا؟، وهل تكفي قوة هذا الإحساس لنوقن أن للمشاعر سلطاناً حقيقياً على واقعنا؟.
قرأت عشرات الكتب التي تناولت قوة المشاعر، واستمعت إلى محاضرات لا تُحصى تؤكد الأفكار نفسها، لكنني كلما ازددت قراءة، أدركت أن أعظم ما نتعلمه لا نجده في الكتب، بل في التجارب التي نعبرها، وفي الجراح التي تعلّمنا ما تعجز عنه المدارس.
لهذا، كانت قناعاتي ابنة الحياة، أكثر منها ابنة القراءة.
وأهم ما خرجت به هو أن المشاعر ليست مجرد حالة نفسية عابرة، ولا مجرد محتوى يسكن بيئتنا الداخلية، بل هي فلسفة حسّية كاملة، ولغة لا تحتاج إلى كلمات. إنها البوصلة التي أودعها الله في الإنسان، لتشهد على رحلته؛ لا رحلته في السير فحسب، بل رحلته في التفكير، وفي تشكيل ذاته، وفي الطريقة التي يخطو بها نحو العالم. أن تمتلئ بالمشاعر الطيبة، يعني أنك تمسك بريشة حياتك وترسم بها لوحة لا يستطيع أحد أن يفسد ألوانها، إلا إذا سلمته الريشة بيديك.
فلا تسمح لأحد أن يرسم عنك. لكن... كيف نتحكم بمشاعرنا؟
التحكم بالمشاعر لا يبدأ بمحاولة السيطرة على الأفكار فقط، بل يبدأ بالسيطرة على ذلك الصوت الخفي الذي لا يسمعه سواك؛ حديثك مع نفسك. ذلك الحوار الداخلي هو اليد التي تمسك بك، وتقودك إلى حيث يريد هو، لا حيث تريد أنت.
فهل أنصتَّ إليه يوماً؟
كم مرة جلست مع نفسك، تستمع إليها بوعي، وتفهم ما الذي تحاول أن تقوله لك؟
إنه، في كثير من الأحيان، صوت الطفل الذي ما زال يعيش في أعماقك، فلا تُهمله.
أكتب هذه الكلمات الآن وأنا على متن الطائرة. ولعل أجمل ما في السفر أنه لا يدفعني إلى ترتيب حقيبتي فقط، بل إلى ترتيب مشاعري أيضاً.
ففي كل مرة أستعد فيها للرحيل، تلاحقني أمي بوصاياها المعتادة:
"لا تنسي أن تأخذي معك كذا... وكذا... وكذا..."
وأبتسم...
غالبًا لا يقلقني ما إذا نسيت قطعة ثياب، بقدر ما يقلقني أن أسافر بحقيبة مشاعر ناقصة.
فما الذي أحرص على حمله معي؟.
أضع الامتنان في أعلى القائمة. الامتنان لكل تجربة، ولكل سقوط، ولكل درس، وللنسخة التي أصبحتها بفضل كل ذلك.
ثم أحمل معي الاتصال بالله... لا عبر الكلمات، بل عبر المشاعر.
أن تمتد هالة إحساسي نحوه، وأن تذوب في نوره، فليس في الحياة لحظة تساوي تلك اللحظة التي تنصهر فيها روح الإنسان بخالقه.
ولا أنسى أن أحمل ذاكرتي. فالعمر لا يُقاس بعدد السنوات التي نعبرها، بل بعدد الذكريات التي نجمعها.
لم أبلغ مرحلة الأربعين لأضيف رقمًا جديداً إلى عمري، بل لأضيف مكتبة كاملة من الحكايات.
فالذكريات ليست عبئاً نحمله، بل الرفيق الذي يطمئننا بأننا لم نعش عبثاً، وأن كل ما مررنا به كان يكتب فصلاً جديداً من قصتنا. وحين تزورك الذكريات المؤلمة...
لا تمنع دمعتك. دعها تنزل بخفة. فالدموع ليست دائمًا إعلاناً عن الهزيمة، بل كثيراً ما تكون شهادة على أنك نجوت.
وأن الله حملك إلى الضفة الأخرى، بعدما ظننت يوماً أن الموج سيبتلعك.
وربما الآن، وأنت تقرأ، يمر في خاطرك أولئك الذين ظلموك، أو خذلوك، أو كسروك. وربما ترى نفسك القديمة، تلك التي كانت ضعيفة حد الانكسار.
لكن، لو عاد الزمن، أما كنت ستختار الألم نفسه إذا كان هو الطريق إلى النسخة التي أصبحتها اليوم؟
لذلك... كن ممتناً. فهذه الممارسات ليست وصفة يكتبها اختصاصي تغذية، ولا برنامجاً للتنمية البشرية.
إنها أسلوب نجاة. أسلوب تعلّمه الحياة لمن يسمح لروحه أن تنضج. ولعل هذا النص لن يصل حقًا إلا إلى من ارتقت روحه بما يكفي لتقرأ ما بين السطور؛ فالحياة تعرف جيداً كيف تختار رسائلها، ولمن ترسلها.
أما السطر الأخير...
فلن أكتبه اليوم.
لأن بعض النهايات الجميلة تستحق أن تؤجّل.
انتظروني في المقال القادم.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي