loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

تحت ظل الوحوش الحديدية

breakLine
2026-07-10

د. عبد الرحيم الشويلي 
كاتب وقاص | عراقي


كان ظهر بغداد في أحد أيام مايس من عام 2003م، مثقلاً بالدخان والخوف ورائحة الوطن الجريح.
كانت الشوارع تبدو كأنها خرجت قبل قليل من حريق هائل، وكأن الجدران نفسها ما زالت ترتجف من هول ما رأت. أما السماء، فكانت مغطاة بغبار رمادي خانق، يحجب زرقتها ويسرق من النهار ضوءه.
كنت أسير في ساحة التحرير، والعاصمة الحبيبة بغداد تبدو كأنها خرجت توًا من قبر محترق.
وجوه الناس شاحبة، والعيون متعبة، والصمت أكثر ضجيجًا من أصوات الانفجارات البعيدة.
كان الخوف يمشي معنا في الطريق، يتسلل إلى الخطوات والنظرات وحتى إلى طريقة التنفس.
فوق رؤوسنا كانت طائرات الأوباتشي تحوم على علو منخفض، كوحوش حديدية جائعة، تبحث عن رعب جديد تلقيه في قلوب الناس.
كان صوتها يشبه زئير وحش معدني هائل، يخترق الروح قبل الأذن، ويجعل الأطفال يلتصقون بأمهاتهم كأنهم يبحثون عن آخر ملاذ آمن في هذا الجحيم.
وفجأة، أخرج جندي أمريكي حقير رجله من الطائرة، وأخذ يصرخ بهستيرية مقززة:
«أنتم الآن تحت قدمي».
كان يصرخ بتعال مرعب، وكأنه لا يرى أمامه بشرًا، بل كائنات مهزومة يحق له أن يدوس كرامتها كما يشاء.
لم أر في حياتي كلها وجهًا للغزو أكثر وحشية واحتقارًا لكرامة البشر من تلك اللحظة.
شعرت يومها أن بغداد لم تكن تحتل بالسلاح فقط، بل كانوا يحاولون دهس روحها وتاريخها وكبرياء أهلها.
كانوا يريدون أن يجعلوا من مدينة الرشيد والمتنبي ودجلة العظيم مجرد مدينة مكسورة الروح، تخاف حتى من ذاكرتها.
ولكن بغداد، على الرغم من كل ذلك، كانت تخفي في جرحها كبرياء عجيبًا، كبرياء المدن التي تعرضت للغزو مئات المرات، ولكنها لم تمت أبدًا.
ومنذ ذلك اليوم، لم يسقط من قلبي مقتي لأولئك القتلة الذين جاءوا يحملون الموت ويسمونه حرية.
كانوا يتحدثون عن الحقوق وهم يحملون الدبابات، ويتغنون بالإنسانية وأيديهم ملطخة برماد المدن ودماء الأبرياء.
وإلى اليوم، كلما سمعت صوت مروحة في السماء، يعود ذلك الظهر البغدادي إلي بكل دخانه وقهره ورائحة الوطن الجريح.

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي