loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

كوابيس الصِّغار والكبار

breakLine
2026-07-14

ناطق فرج
كاتب ومترجم | عراقي

 

منذ أنْ اكتشف الإنسانُ أنَّ الأطفال لا ينامونَ بسهولة، بدأ باختراع كائنات عجيبة مهمتها إخافتهم حتى يخلدوا إلى النوم، أو يلتزموا بالأوامر، أو على الأقل يتوقفوا عن طلب كوب ماء رابع قبل منتصف اللَّيل.
ففي كلِّ ثقافة تقريبًا ثمَّة بعبع خاص بها. ففي العالم العربي لدينا الغول، وأبو رجل مسلوخة، وأم الصبيان، وفي الخليج أم الدويس، وفي بريطانيا البوجيمان، وفي أوروبا الشرقية بابا ياغا، وفي أمريكا اللاتينية إل كوكو، وفي الهند البهوت، وفي الصين الغوي وجيانغشي. وهكذا يبدو أنَّ البشرية، رغم اختلاف لغاتها وعاداتها، اتفقت على مشروع موحَّد عنوانه: «نم وإلا سيأتيك...»!
من الناحية النفسية، يقول المختصون إنَّ هذه الكائنات قد تحقق طاعة مؤقتة، لكنَّها قد تزرع القلق والكوابيس في نفس الطفل. فالطفل الذي ينام خوفًا من الغول قد يحمل هذا الخوف معه كلَّ ليلة، فيتحوَّل كلُّ صوتٍ مجهولٍ وكلُّ زاويةٍ مظلمةٍ إلى مشروعِ غولٍ محتمل ينتظر لحظة الظُّهور.
ومع ذلك، فإنَّ هذه الشخصيات تكشف جانبًا طريفًا من التراث الشعبي. فكلُّ مجتمعٍ صاغ «وحشه» على مقاسِ بيئته ومخاوفه. فالإسكندنافيون حذَّروا أطفالهم من الترول وسيدة الغابة، لأنَّ الغابات والبحيرات كانت أخطارًا حقيقية، بينما لجأت مجتمعات أخرى إلى وحوش صحراوية أو مخلوقات ليلية أو أشباح تسكن الأماكن المهجورة.
أما في العراق، فالأمر أكثر تنوعًا. فالطنطل مثلًا ليس مجرَّد بعبع للأطفال، بل شخصية حاضرة في ذاكرة الكبار أيضًا. فهو كائن متحوّل يظهر ليلًا في الطرق الريفية أو الأماكن المهجورة، وقد يوصف أحيانًا كعملاقٍ، وأحيانًا كشخصٍ عادي، وأحيانًا كمخلوقٍ لا يمكن الاتفاق على شكله. وربما كان هذا الغموض هو سرُّ بقائه حيًا في المخيلة الشعبية.
وبين كلِّ هذه الكائنات، أعترف شخصيًا أنَّ أكثر ما أرعبني في طفولتي لم يكن الغول ولا الطنطل ولا بابا ياغا، بل امرأة حقيقية كانت تمرُّ أمام منزلنا مرتين في اليوم. كانت قصيرة ونحيفة جدًا، بخدين غائرين، وقد فقدت أسنانها فتقدم فكها الأسفل إلى الأمام ونبتت عليه شعيرات بيضاء طويلة، وكانت تستعين بعكاز يصل إلى كتفها، اسمها «بالو». هذه المرأة، دون أنْ تقصد، أفسدت عليّ طفولتي أكثر مما فعلت كل الوحوش مجتمعة؛ فكانت حين تمرُّ أمام بيتنا أهرب إلى الداخل مذعوراً أبحث عن زاويةٍ أختبئ فيها.
لكن المفارقة الكبرى أنَّ الكائنات التي كانت تخيف الأطفال قديمًا بدأت تفقد بريقها في السنوات الأخيرة. فمنذ ربع قرنٍ تقريباً ظهرت في العراق كائنات جديدة حلَّت محلّ الطنطل والغول والسعلوة؛ كائنات تظهر في النهار بكاملِ أناقتها على شاشات التلفاز وفي الصحف والمجلات؛ كائنات تعيش حياة مرفَّهة، تحيط نفسها بالحمايات وأساطيل من السيارات السوداء، لكنَّها في اللَّيل تهدّد الأطفال بسرقة قاصاتهم، ومن أشهر هذه الكائنات الحديثة «الهامور» و«الحوت».
وهنا تطوَّرت وسائل التربية الشعبية تطورًا لافتًا؛ فبدل أن تقول الأُمُّ لطفلها: «نم وإلا سيأتي الطنطل»، أصبحت تقول له وهي تضحك: «نام تره يجيك الهامور»! وهذه العبارة وحدها تكفي لتوضيح كيف انتقل الخوف من عالم الأساطير إلى عالم الواقع الاجتماعي والسياسي، حتى صار الطفل مهدَّدًا لا من وحش يسكن الصحراء، بل من كائن يعرف طريقه إلى الأموال الصغيرة والكبيرة على حد سواء.
ولعل أغرب هذه الكائنات وأشهرها هي «أم لباس الذهب»؛ امرأة منفوخة الوجه، ذات عينين صغيرتين غائرتين وأنفٍ نافرٍ، ترتدي ملابس داخلية مصنوعة من الذهب الخالص، لها ولع بسرقة «قاصات الأطفال» وما فيها من نقود قليلة جمعها الطفل بعرق جبينه الطفولي. وهكذا صار التهديد المعاصر يقول: «نام تره تجيك أم لباس الذهب وتاخذ قاصتك»!
وهنا تكمن المفارقة المضحكة والمؤلمة في آن واحد: فالأطفال قديمًا كانوا يخافون من كائنات خيالية لا وجود لها، أما اليوم فإنَّ بعض «الوحوش» التي يخشاها المجتمع تبدو أكثر حضورًا وواقعية من أي وقت مضى. لقد انتقلت الكوابيس من ظلام الحكايات الشعبية إلى ضوء الشاشات، ومن الغابة والبرك والبيوت المهجورة إلى عالم النفوذ والمال والسيارات السوداء.
ولذلك، ربما يكون أفضل ما نفعله مع أطفالنا هو أن نحكي لهم قصصًا لطيفة بدلًا من تخويفهم بالبعبع. أما الكائنات الحديثة التي تخيف الكبار قبل الصغار، فهذه تحتاج إلى علاج نفسي واجتماعي طويل الأمد، وليس إلى حكاية قبل النوم.

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي