loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

الانقلاب على جنة الخراب

breakLine
2026-07-16


رياض الفرطوسي 
كاتب | عراقي

 

عندما يقرر الكاتب أن ينأى بنفسه عن صخب المنصات وهتاف الجماهير، مُتخلياً عن أي رغبة في استرضاء أحد أو جني مكسب عابر، تتضح الرؤية أمامه كشلال من الضوء. إن المأساة التي تعيشها أوساطنا الثقافية والسياسية تكمن في ذلك الانشغال الأبدي بكتابة المراثي بعد خراب البصرة، في حين أن المسؤولية الأخلاقية تفرض على صاحب القلم أن يتحول إلى طائر بحري يستشعر اضطراب الموج ويهمس بالتحذير قبل أن تبتلع العاصفة الجميع. أولئك الذين أذهلتهم صدمة الراهن اليوم، فراحوا يملؤون الفضاء صراخاً واحتجاجاً، لم يكتشفوا سراً غامضاً؛ فالوجدان الإنساني الواعي كان يقرأ ملامح هذا الانهيار في تفاصيل الشارع البسيطة التي دهستها شعارات الخطاب السياسي الرنان منذ عقود. لقد دفع هذا البلد فواتير باهظة في معارك الأمس، واليوم يبدو أنه يستعد لدفع الأثمان الأفدح، ولكن بآلية التقسيط الممل من مستقبله ومستقبل أبنائه.
في هذا التوقيت الحرج، تتجه الأنظار نحو مشهد يُراد له أن يبدو كأنه إعلان رصاصة الرحمة على "فوضى السلاح والفساد"، لكن القراءة المتأنية خلف كواليس العواصم الكبرى تكشف عن سيناريو مغاير تماماً. في أروقة صنع القرار الدولي، يُعاد إحياء مسرحيات قديمة بوجوه جديدة؛ حيث تُغدق الأوصاف البراقة والمدائح المصممة بعناية على القيادة الحالية، موحيةً بنجاحات ديمقراطية وانتخابية وهمية تفضحها حقائق التوافقات السياسية التي تجري خلف الأبواب المغلقة. هذه الخدعة التي تُصنع في مطابخ غرف السياسة المعتمة وبتوجيه من سفارات معينة، ليست سوى استثمار في البراغماتية التي تدرك كيف يطرب الفضاء العربي للإطراء العابر، ليتحول القائد (دون أن يشعر) إلى أداة تنفيذية قبل أن يتم تركه وحيداً عند أول منعطف تفاوضي أو تسوية إقليمية كبرى.
وعندما نقرأ ما وراء بريق الصور الرسمية، نكتشف أننا أمام "انتقال كامل" يضع البلد في عمق الوصاية الدولية، ليعاد تعريفه مجرد بئر نفط وغنيمة اقتصادية. الاستراتيجية الجديدة لم تعد تكتفي بالوجود العسكري التقليدي الذي يثير الحرج، بل تتجه نحو تأمين الهيمنة المطلقة من خلال هيكلية مالية ومؤسساتية بالغة التعقيد. يجري الآن ربط مبيعات الطاقة بصناديق ائتمانية مضمونة في مصارف غربية كبرى، مما يعني إخضاع السيادة المالية بالكامل للرقابة الخارجية. يتزامن ذلك مع إعادة رسم خرائط النقل والطاقة والتبادل التجاري، ليس لفتح آفاق التنمية، بل لسحب الثروات الوطنية بعيداً عن الممرات المائية القلقة والمحاور الإقليمية المنافسة، من أجل دمج المنطقة في منظومة طاقة تديرها مصالح عابرة للقارات.
إن المعضلة الكبرى التي يواجهها الشارع والنخب على حد سواء، هي أن هذا التحول الجديد يضع الحكومة أمام استحقاقات داخلية متفجرة ومحددة بجدول زمني ضاغط ومحفوف بالمخاطر. إن محاولة حصر السلاح وتفكيك شبكات المال الفاسد المتغلغلة في جسد الدولة لن تمرا كالنزهة؛ فالمنظومة التي تعتاش على الفوضى والخراب وتمتلك النفوذ والقوة لن تتخلى عن امتيازاتها طواعية، مما يمهد الطريق لمواجهة مفتوحة قد تُدخل البلاد في نفق مظلم جديد. وفي خضم هذا التحشيد والتوجيه الإعلامي الذي تروج له وسائل إعلام غربية تفتقر أحياناً لأبسط المعلومات الجغرافية والسياسية عن واقعنا، يتضح أن الهدف هو فرض خيارات قاسية وتجريد المجتمع من أدوات المناورة.
لكن مواجهة هذا الواقع المرير لا تقتصر على تجميل القبح أو زرع آمال ساذجة في نفوس المتعبين، بل تطلب استنهاض وعي وطني جديد يرفض دور الضحية المستسلمة. إن بيوت العراقيين وجيوبهم ليست جزراً معزولة عن القرار السياسي والاقتصادي، ولن يتحقق الأمان الفردي خلف الأبواب الموصدة ما لم يُبْنَ مناخ حقيقي من العدالة الاجتماعية. إن المخرج الوحيد من هذا المأزق يتطلب بناء كادر وسطي وإدارة دولة مرنة وقادرة على فهم لغة المصالح الدولية ولعب قواعد اللعبة بذكاء؛ فما دامت المصالح الأجنبية في أرضنا قد تضخمت إلى هذا الحد، فإن الشجاعة الوطنية تقتضي استثمار هذا الاعتماد المتبادل للتفاوض على حماية ثرواتنا وسيادتنا، بدلاً من الارتماء الكامل في أحضان وصاية جديدة تخيط لنا ثياب الأوهام في الظلام.

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي