مقالات ادبية واجتماعية وفنية
رياض الفرطوسي
كاتب وباحث | عراقي
هناك خطأ يتكرر كلما انهارت دولة أو انكشف فساد أو سقط نظام سياسي. نبحث دائماً عن الرجل، وننسى الكرسي. نلعن الوجوه، ونترك المصنع الذي ينتجها يعمل بهدوء.
ولهذا لا أعتقد أن السؤال الحقيقي هو، لماذا فسد هذا المسؤول؟ بل، لماذا تبدو بعض الكراسي وكأنها لا تسمح إلا للفاسدين بالبقاء عليها؟
الكراسي ليست خشباً وحديداً، إنها بيئات نفسية وأخلاقية. وما إن يجلس الإنسان عليها حتى تبدأ عملية بطيئة، لا تشبه الانقلاب المفاجئ، بل تشبه تآكل الحديد بالصدأ. في البداية يبرر لنفسه امتيازاً صغيراً، ثم يتسامح مع مخالفة، ثم يصمت عن سرقة، ثم يصبح الصمت نفسه جزءاً من شخصيته. بعد سنوات، ينسى أين انتهى ضميره وأين بدأت مصالحه.
كان الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو يرى أن السلطة لا تكتفي بإصدار الأوامر، بل تعيد تشكيل الإنسان نفسه. إنها لا تغيّر القرارات فقط، بل تغيّر طريقة التفكير، وما يعده الإنسان طبيعياً أو مقبولاً. السلطة الطويلة تعيد برمجة الحس الأخلاقي حتى يصبح الاستثناء قاعدة، والخطأ حقاً مكتسباً.
ولذلك فإن فساد المؤسسات أخطر من فساد الأشخاص.
فالإنسان يدخل المؤسسة بشخصية، ويخرج منها أحياناً بشخصية أخرى.
عالم النفس الأمريكي فيليب زيمباردو أثبت في تجربة سجن ستانفورد أن البيئة قد تدفع أشخاصاً عاديين إلى سلوكيات لم يكونوا يتخيلون أنهم قادرون عليها. لم يكن المشاركون مجرمين، لكن الأدوار والسلطة والظروف صنعت منهم جلادين خلال أيام قليلة. التجربة لم تكن عن شر الأفراد، بل عن قدرة البيئة على صناعة الشر.
الأمر ذاته يحدث في السياسة.
فإذا كانت المؤسسة تكافئ الولاء أكثر من الكفاءة، وتحمي الفاسد أكثر من النزيه، وتعاقب من يبلغ عن الخطأ بدلاً من مرتكبه، فإنها لا تحتاج إلى تجنيد الفاسدين، بل ستصنعهم بنفسها.
كان الروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز يكتب عن الدكتاتور وكأنه آخر حلقات سلسلة طويلة، لا بدايتها. وفي "خريف البطريرك" لا يبدو الطاغية استثناءً، بل نتيجة طبيعية لعالم كامل تعلم أن يعيش على الخوف والتصفيق.
أما ماريو فارغاس يوسا، في "حفلة التيس"، فلم يكتب عن رجل مستبد فقط، بل عن مجتمع كامل تعلم كيف يتكيف مع الاستبداد حتى صار جزءاً من حياته اليومية. والطغيان هناك لا يسكن القصر وحده، بل يتسلل إلى المدارس، والدوائر، والعائلة، واللغة، وحتى الصمت.
وهذا ما يجعل سقوط الدكتاتور لا يعني سقوط الدكتاتورية. فالعقلية تبقى،
والشبكات تبقى، والثقافة التي صنعت الاستبداد تبقى.
ولهذا كثيراً ما يخرج من رحم النظام القديم نظام أكثر شراسة، لأنه لم يتغير سوى اسم الجالس على الكرسي، أما الكرسي نفسه فقد بقي كما هو.
يقول عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو إن المؤسسات تنتج ما يحافظ على بقائها. فهي تعيد إنتاج الثقافة نفسها، والقيم نفسها، وآليات النفوذ نفسها. لذلك لا يكفي تغيير الأشخاص إذا كانت قواعد اللعبة لم تتغير.
إن البيئة الفاسدة لا تكتفي بحماية الفساد، بل تجعل النزاهة تبدو شذوذاً.
وهنا تكمن المأساة. فقد يدخل الموظف الشريف وهو يحمل رغبة صادقة في الإصلاح، لكنه يجد نفسه محاطاً بشبكة من الإغراءات والضغوط والمساومات. شيئاً فشيئاً، يبدأ بالتنازل. ليس لأنه ولد فاسداً، بل لأن البيئة أقوى من مقاومته الفردية. حتى أصحاب الضمائر الصلبة ليسوا معصومين.
علم النفس يسمي ذلك "التطبيع التدريجي". الإنسان لا يقفز إلى الهاوية دفعة واحدة، بل ينزل إليها درجة بعد أخرى، حتى ينسى أنه كان يوماً يقف على القمة.
ولهذا تبدو بعض الكراسي وكأنها مباءة للفاسدين.
ليست لأنها مسحورة، بل لأنها محاطة بمنظومة تجعل الفساد أقل كلفة من النزاهة، وتجعل الانحراف أكثر ربحاً من الاستقامة.
عندها يصبح الفاسد مرتاحاً، بينما يعيش الشريف غريباً داخل مؤسسته. ولعل كافكا كان يدرك هذه المفارقة حين رسم عالماً يبدو فيه الإنسان الطبيعي غريباً وسط منظومة مريضة. فحين تختل المعايير، يصبح الصادق ساذجاً، والمتملق ذكياً، والمحتال ناجحاً، وصاحب الضمير مشروع فاشل.
أما حنة آرندت فقد وصفت في تأملها الشهير "تفاهة الشر" كيف يمكن للشر أن يصبح عملاً إدارياً روتينياً، يمارسه أشخاص عاديون لا يشعرون أنهم يرتكبون جريمة، لأن المؤسسة أقنعتهم بأنهم يؤدون واجبهم.
وهذا أخطر أنواع الفساد.
الفساد الذي لا يحتاج إلى وحوش، بل إلى موظفين يوقعون الأوراق بلا أسئلة.
إن العراق، مثل كثير من الدول التي أنهكتها الحروب والمحاصصة وضعف القانون، لا يعاني فقط من فاسدين، بل من بيئات تتكاثر فيها أسباب الفساد. وكلما بقيت هذه البيئة على حالها، فإن تغيير الحكومات لن يكون أكثر من تبديل أسماء على أبواب المكاتب.
لن يتغير شيء ما دام الكرسي نفسه يمنح الحصانة، ويغري بالغنيمة، ويعاقب من يرفض المشاركة في الوليمة.
إن إصلاح الدولة لا يبدأ بإزاحة شخص، بل بإعادة تصميم البيئة التي تجلس فيها السلطة. بيئة تجعل القانون أعلى من العلاقات، والمساءلة أقوى من النفوذ، والشفافية أسبق من الولاءات.
فالبيئة، كما يقول علماء الأحياء، تنتج ما يشبهها.
والتربة المالحة لا تمنح حقولاً خضراء، وكذلك المؤسسات
إذا كانت التربة الإدارية فاسدة، فإنها ستنبت، جيلاً بعد جيل، رجالاً يشبهونها.
لهذا، ليست المشكلة فيمن يجلس على الكرسي فقط، بل في الكرسي الذي تعلم، عبر السنين، كيف يحول البشر إلى نسخ متشابهة.
وحين يصبح الكرسي مدرسة للفساد، فإن تغيير الجالس عليه لا يغير الدرس، بل يغير اسم الطالب فقط.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي