مقالات ادبية واجتماعية وفنية
د. مجاهد أبو الهيل
من سوء حظ الجواهري أن مريديه رسموا له في ذاكرتهم صورةً مثالية بحجم إبداعه، حتى باتوا لا يقتنعون بأي جهد يُبذل لاستعادته وإعادته إلى دجلة الخير.
فكلما جرت محاولة لاستحضار شاعر العرب الأكبر بصورة من الصور، انقسم الناس حولها.
سبق لمنظمة نخيل عراقي الثقافية أن استعادته عبر ميدالية برونزية تمنحها لضيوفها العرب والمبدعين العراقيين، لكنها واجهت موجة واسعة من الانتقادات بسبب منح تلك الميدالية لعدد من الفنانين والفنانات العرب، بوصفها تعبيرًا عن الاعتزاز بالجواهري. ورأى المنتقدون أن ذلك يمثل إساءة إلى الشاعر، متسائلين: كيف تُمنح ميدالية تحمل صورته لفنانين؟ وهو رأي أحترمه، وإن كنت لا أتفق معه.
واليوم تهب موجة أخرى من الجدل حول تمثال الجواهري، الذي وضع أولى خطواته على ضفاف دجلة الخير بعد غياب طال لعقود. والمفارقة أن هذا الحدث، الذي كان يفترض أن يُستقبل بوصفه تحقيقًا لحلم مؤجل، فتح بابًا جديدًا للنقد، بدل أن يكون مناسبة للاحتفاء بعودة الجواهري إلى المكان الذي تغنى به.
إن مجرد حضور الجواهري على ضفاف دجلة هو إنجاز كبير يستحق الشكر لكل من أسهم في تحقيقه، وفي مقدمتهم النحات الكبير نداء كاظم، ورئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، ومستشاره الثقافي د عارف الساعدي الذي أقنعه بتبني المشروع وتمويله.
وربما أكون من أكثر الشهود معرفةً بمسيرة هذا التمثال، التي امتدت لعقود، منذ سبعينيات القرن الماضي، وحتى السنوات الأخيرة التي سعيت فيها شخصيًا إلى إيجاد فرصة لإقامة هذا النصب.
ولست معنيًا بالدخول في السجال الدائر حول التمثال، بقدر ما أجد نفسي معنيًا بتوضيح حقائق كنت شاهدًا عليها، بحكم علاقتي الوثيقة بشيخ النحاتين الفنان نداء كاظم، الذي أنجز هذا العمل بعد أكثر من خمسين عامًا على لقائه الأول بالجواهري في مربد البصرة مطلع السبعينيات.
فبعد عودتهما إلى بغداد، اجتمعا في بيت الجواهري، وهناك وضع الشاعر بنفسه ملامح التمثال الذي أراد أن يخلده. وكان من أبرز شروطه ألا يظهر بالحركة التقليدية التي اعتادها الناس في تماثيل الشعراء، حيث ترتفع اليد وكأنها تلقي قصيدة في مهرجان أو محفل عام، بل أراد هيئة مختلفة تعبر عنه كما يراها هو، مفضّلًا أن تكون يداه إلى الخلف أو إلى الأمام في وضع هادئ وطبيعي، بعيدًا عن الإيماءة الخطابية المألوفة. وهذه الحقيقة موثقة بالصور التي التقطها النحات نداء كاظم للجواهري آنذاك، وهي مرفقة مع هذا المقال
ومن هنا أقول لحفيدة الجواهري، السيدة بان المحترمة، التي استغربت هيئة جدها وهو يقف مكتوف اليدين، وشبهتها بحالة الاعتقال، إن هذه الوضعية لم تكن اجتهادًا من النحات، وإنما كانت تنفيذًا لرغبة الجواهري نفسه.
أما التمثال الذي نُقل من مصاهر وزارة الثقافة إلى ضفاف دجلة، فما زال عملاً غير مكتمل، وما جرى ليس سوى المرحلة الأولى من إنجازه. فلا تزال أمامه مراحل الأكسدة، ومعالجة آثار النقل والصهر، وإنشاء مقتربات النصب، التي ستجعل منه علامة ثقافية مضيئة في شارع أبي نؤاس، يقصدها الزائرون لالتقاط الصور واستحضار قصيدة «يا دجلة الخير» بصوت شاعرها الأكبر.
ويتميّز تمثال الجواهري بفكرة تشكيلية ذات دلالة رمزية؛ إذ يتكوّن من تمثالين متكاملين: الأول تمثال نصفي يجسّد ملامح الشاعر بوضوح، بينما ينتصب خلفه تمثال آخر بارتفاع خمسة أمتار، صُمّم ليجسّد الجواهري الظلّ ، في إشارة إلى الأثر العميق والباقي الذي تركه في الشعرية العربية. وقد تعمّد النحّات نداء كاظم اعتماد هذا التكوين ليعبّر عن امتداد حضور الجواهري الفكري والإبداعي، بحيث يتجاوز حضوره الجسدي ليغدو رمزًا لإرثه الشعري الخالد.
وأرى أن الخطأ الوحيد الذي وقع فيه القائمون على المشروع هو استعجال الإعلان عن التمثال قبل اكتماله، وتركه تحت شمس بغداد اللاهبة ونقد أهلها اللاذع من دون غطاء، قبل موعد افتتاحه الرسمي.
وأود أيضًا أن أوضح أن الماكيت الذي أنجزه النحات نداء كاظم يحمل قدرًا كبيرًا من الإبداع، لكن محدودية إمكانات دائرة الفنون في وزارة الثقافة، وبدائية الوسائل التقنية التي استُخدمت في التنفيذ، أسهمتا في تقليل مستوى الدقة الفنية مقارنةً بما كان يطمح إليه الفنان.
تحية لكل الأصوات التي انتصرت لحضور الجواهري على غيابه المتعمد عن مدينته التي طردته حياً وساهمت في تغييبه ميتاً، وتحية أخرى للأصوات التي تحاول إستعادة الجواهري وفق مخيلتها الممتلئة بصورة الرجل الذي لا يتكرر، كما أدعو كل محبي شاعرنا الكبير لزيارة تمثاله الشامخ بعد إزاحة الستار عنه ولهم أن يحكموا عليه عن قرب.

.jpeg)
.jpeg)
.jpeg)



...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي