مقالات ادبية واجتماعية وفنية
د. عبد الرحيم الشويلي
كاتب وقاص | عراقي
للدبلوماسي وطن يحمله في قلبه أينما حلّ، ولكن له أيضًا مدنًا تقيم في وجدانه، لا تغادره وإن غادرها. وكانت أثينا واحدة من تلك المدن التي لم تكن مجرد محطة في رحلتي الدبلوماسية، بل أصبحت جزءًا من ذاكرتي وروحي، وما زلت، إلى اليوم، أحمل لها من الحب والحنين ما لا تفصح عنه الكلمات.
ولعل أصعب ما في حياة الدبلوماسي أنه يشبه مسافرًا أدمن التنقل بالقطار؛ فما إن يألف محطة، ويقيم فيها صداقات وذكريات، حتى يحين موعد الرحيل، فيحمل حقائبه ويركب قطارًا آخر نحو محطة جديدة، ليبدأ الحكاية من جديد.
في عام 2004، حططت رحالي في أثينا، ومنذ الأيام الأولى شعرت أنني لا أعيش في مدينة غريبة، بل في مكان يعرفني وأعرفه. أحببت أثينا، وأحببت بحرها، وجزرها، وشوارعها، وأهلها، وكتبت فيها من أجمل قصائدي، وتغزلت بسحرها وجمال نسائها. ولعلي أفرد لهذه المدينة، التي لا أزال أهيم بها وجدًا، حلقة خاصة في المستقبل.
في بلاد الإغريق، بدا وكأن قريحتي الأدبية قد استيقظت على نحو غير مألوف. فعلى الرغم من مسؤولياتي الدبلوماسية وأعبائها، لم أنقطع يومًا عن الكتابة. كنت أكتب الشعر، وأترجم ما يروق لي من القصائد الإنجليزية، وأنشر مقالًا أسبوعيًا في صحيفة عربية، كما خُصصت لي صفحة كاملة في مجلة شهرية. وخلال إقامتي هناك، وفقني الله لنشر كتاب ومجموعة قصصية، فكانت أثينا كريمة معي، كما لم تكن مدينة أخرى.
ومع الأيام، تكاثرت على مكتبي الأوراق والمسودات والقصاصات، فمنها ما يحمل قصيدة لم تكتمل، ومنها ما يحتضن بداية قصة، أو فصلًا من رواية توقفت قبل أن تبلغ نهايتها. وكنت، كما قال الشاعر خراش:
تكاثرت الظباء على خراش
فما يدري خراش ما يصيد.
وعندما انتهت مهمتي الدبلوماسية، عدت إلى بغداد الحبيبة، حاملًا معي كتبي، وملفاتي، وأوراقي، وحاسوبي الشخصي، الذي كنت أحفظ فيه معظم أعمالي الأدبية.
وبعد نحو شهر من عودتي، وبمحض الصدفة، كنت أقلب ملفات الحاسوب، فإذا بي أعثر على مجموعة من القصائد لم أكن أذكر أني كتبتها أصلًا.
كانت المفاجأة مدهشة...
لم تكن القصائد باللغة العربية، بل كانت مكتوبة باللغة الإنجليزية.
ولحظتها، ابتسمت وقلت لنفسي:
إذًا... أنا شاعر باللغتين!
أعدت قراءتها واحدة تلو الأخرى، فعادت إلي تفاصيل الأيام التي ولدت فيها، وتذكرت الظروف التي دفعتني إلى كتابتها. وكلما فرغت من قصيدة، ازددت قناعة بأن هذه الأوراق لم يكن ينبغي لها أن تبقى حبيسة ذاكرة الحاسوب.
لذلك طبعتها على الورق، وعقدت العزم على جمعها في ديوان شعري مستقل، كما كتبت، وبلغتها الأصلية، دون ترجمة؛ لأنني أؤمن أن ترجمة الشعر، مهما بلغت من الإتقان، لا تنقل إلا جزءًا من روحه، وتفقده كثيرًا من موسيقاه وصوره وإيحاءاته.
واليوم، وبعد ما يقرب من عشرين عامًا على كتابة تلك القصائد، يسعدني أن أقدم لقراء «من دفتر الذكريات» ولأول مرة إحدى تلك القصائد التي بقيت طويلًا طي النسيان.
وقد آثرت أن أنشرها بلغتها الإنجليزية كما ولدت، دون ترجمة؛ لأن للشعر روحًا تسكن ألفاظه، وإيقاعًا يتوارى بين حروفه، وصورًا تخفت ألوانها كلما انتقل من لغة إلى أخرى.
One Day
To my butterfly, flying alone,
Whose name is widely known,
To the loveliest creature,
Who patiently awaits my phone,
One day, I will embrace her
With both my hands,
And with no more tears,
She’ll sit like a baby on my lap.
One day, the sun and stars
Will forever shine,
And my sweetheart
Will be wholly mine.
Let me send my kisses
Across this boundless sky,
Let me hug you, honey,
Please, don’t be shy.
Lovers remain lovers,
Whether young or old,
Minds may stay busy,
But hearts stay bold.
لعل أجمل ما في الأوراق المنسية أنها تملك القدرة على مفاجأتنا، فنحن لا نكتشف ما كتبناه فقط، بل نكتشف أنفسنا كما كنا، ونلاقي ذلك الإنسان الذي سكننا يومًا، ثم غاب في زحام السنين.
وربما لهذا السبب تبقى الذكريات أجمل من الواقع أحيانًا؛ لأنها تعيد إلينا ما ظننا أنه ضاع إلى الأبد.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي