مقالات ادبية واجتماعية وفنية
حسين علي محمود /كاتب عراقي
مع تطور الذكاء الاصطناعي ظهرت قضية جديدة تتجاوز الجوانب التقنية و تتعلق بعلاقة التكنولوجيا بالمعرفة و التراث.
فبعض شركات الذكاء الاصطناعي لم تكتف بجمع البيانات من الإنترنت بل اتجهت إلى شراء ملايين الكتب الورقية و تحويلها إلى بيانات رقمية تستخدم في تدريب النماذج ثم التخلص من النسخ الأصلية بعد انتهاء عملية الرقمنة.
و هنا يبرز سؤال مهم هل يمكن التعامل مع الكتاب باعتباره مجرد مصدر للمعلومات أم أن له قيمة تتجاوز النص المكتوب؟!
كشفت وثائق وتقارير قضائية أن بعض الشركات اشترت ملايين الكتب بما في ذلك كتب قديمة ونادرة ومنقطعة من الأسواق ثم قامت بتفكيكها ومسحها ضوئيا و تحويل محتواها إلى بيانات لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.
و تعرف هذه الطريقة باسم المسح التدميري حيث يزال تجليد الكتاب و تفصل صفحاته لتصويرها بسرعة بواسطة أجهزة المسح الضوئي ثم ترسل النسخ الورقية إلى إعادة التدوير أو تتلف بعد انتهاء العملية.
و لا يعني ذلك أن هذه هي الطريقة الوحيدة فهناك أجهزة تستطيع رقمنة الكتب دون إتلافها لكنها أبطأ و أكثر تكلفة. لذلك فضلت بعض الشركات الخيار الأسرع و الأقل كلفة و هو ما فتح بابا واسعا للنقاش حول ما إذا كان من المقبول التضحية بالكتب الأصلية من أجل تسريع تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي.
و تشير الوثائق إلى أن شركة Anthropic نفذت مشروعا داخليا حمل اسم Project Panama إذ اشترت خلاله ملايين الكتب و حولتها إلى مكتبة رقمية استخدمت في تدريب نموذجها Claude.
كما أظهرت المراسلات الداخلية أن الشركة كانت حريصة على عدم الكشف عن تفاصيل المشروع و هو ما زاد من الجدل بشأن هذه الممارسات.
و لا تقتصر عمليات الشراء على الكتب الأكثر شهرة لكن تشمل أيضا الكتب القديمة و المتخصصة و النادرة لأنها تحتوي على نصوص كتبها البشر قبل انتشار المحتوى الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي.
هذه الكتب تمنح النماذج اللغوية مادة أكثر تنوعا و موثوقية لكنها في الوقت نفسه تمثل جزء من الذاكرة الثقافية التي لا يمكن تعويضها إذا اختفت نسخها الأصلية.
كما ذكرت منصة 404 Media أن شركة ISBNdb تقوم بشراء الكتب القديمة بكميات ضخمة لصالح شركات الذكاء الاصطناعي و قد تصل الصفقة الواحدة إلى مليون كتاب مع استخدام اتفاقيات سرية لإخفاء هوية المشترين.
و رغم أن التقارير لم تسم Anthropic ضمن هذه الصفقات بشكل مباشر فإن مشروعها السابق أعاد تسليط الضوء على هذه القضية.
من الناحية القانونية رأت إحدى المحاكم أن تحويل الكتب المشتراة بصورة قانونية إلى نسخ رقمية لاستخدامها في تدريب النماذج يعد استخداما عادلا في تلك القضية حتى لو جرى التخلص من النسخ الورقية.
لكن الحكم القانوني لا ينهي الجدل لأن السؤال هنا لا يتعلق بالقانون وحده انما بالمسؤولية الثقافية أيضا.
فالكتاب ليس مجرد كلمات يمكن حفظها على خادم إلكتروني بل هو شاهد على مرحلة من تاريخ المعرفة، فالطبعات القديمة، طريقة التجليد، نوع الورق، و حتى آثار الاستخدام التي تركها القراء كلها تحمل قيمة لا تستطيع النسخة الرقمية نقلها.
و عندما تختفي النسخة الأصلية فإننا لا نفقد نصا فقط لكن نفقد جزء من التراث المادي الذي يوثق مسيرة الفكر الإنساني.
في خضم هذا الجدل قال إيلون ماسك إنه طلب من xAI الحفاظ على الكتب النادرة و استخدام تقنيات مسح لا تتطلب تفكيكها أو إتلافها.
كما انتقد مستشار البيت الأبيض لشؤون الذكاء الاصطناعي و العملات المشفرة ديفيد ساكس ما اعتبره ازدواجية في المعايير لدى Anthropic إذ تدافع عن استخدام الكتب في تدريب نماذجها بينما تعتبر الحصول على مخرجات Claude المدفوعة من قبل المنافسين انتهاكا للملكية الفكرية.
يبقى السؤال يطرح نفسه، كيف يمكن تطوير الذكاء الاصطناعي دون التفريط بجزء من التراث الإنساني؟! فالتقدم الحقيقي لا يقاس بسرعة بناء النماذج وحدها بل أيضا بقدرتنا على حماية المصادر التي صنعت المعرفة عبر القرون.
فالذكاء الاصطناعي يمكنه أن يتعلم من الكتب لكن ذلك لا ينبغي أن يكون على حساب بقاء الكتب نفسها لأنها ليست مجرد أوعية للمعلومات انما جزء من ذاكرة الإنسانية و تاريخها.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي