loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

من سبأ إلى بابل.. بلقيس سيدة عرش هزمت حكمتها صليل السيوف

breakLine
2026-08-04

 دعاء هزاع الجابري
كاتبة | يمنية

 


على مر التاريخ ثمة ممالك قامت على فكرة وارتفعت على حكمة ، وخلدها التاريخ لأنها انتصرت للعقل قبل أن تنتصر للقوة ، ومن بين تلك الممالك المضيئة تقف الملكة "بلقيس" ملكة "سبأ" كإحدى أكثر الشخصيات النسائية إدهاشا في التاريخ الإنساني ، امرأة لم تُعرف لأنها ورثت عرشا بل لأنها أحسنت حمله ، ولم تُذكر لأنها حكمت قوما بل لأنها حكمت نفسها أولاً.
لقد كانت سبأ أكثر من مملكة في جنوب الجزيرة العربية ، كانت فكرة مضاءة عن الازدهار ، فهناك حيث شيد "سد مأرب" وحيث ازدهرت تجارة اللبان والبخور لم تكن الثروة مجرد ذهب يخزن بل كانت علما بالإدارة ، وفنا في تنظيم الحياة ، وإيمانا بأن الحضارة تبدأ من الإنسان قبل الحجر ، ومن هناك في قلب تلك الحضارة وقفت "بلقيس" لا باعتبارها استثناء نسائيا بل باعتبارها نموذجا إنسانيا نادرا ، فلم يكن عرشها قائما على البطش وإنما على المشورة ، وحين جاءها الخبر عن نبي الله "سليمان" لم تسرع إلى الحرب كما يفعل الملوك حين تجرحهم الكبرياء بل سألت ، واستشارت ، وتأملت ، ثم قالت عبارتها التي بقيت درسا خالدا في فلسفة الحكم "إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة" ، لم تكن تصف حربا بعينها بل كانت تختصر تاريخ السلطة حين تنفصل عن الأخلاق.
فبلقيس أكبر من شخصية وردت في الكتب المقدسة أو الروايات التاريخية ، إنها رمز لعصر كانت فيه المرأة قادرة على صناعة القرار في زمن احتكر فيه الرجال السلطة ، ولذلك لم يكن إعجاب التاريخ بها لأنها كانت ملكة بل لأنها أثبتت أن الحكمة تستطيع أن تغير مصير الأمم أكثر مما تستطيع الجيوش ، ومن ذلك النهج الذي اتبعته في حكمها أصبحت سيدة كيان سياسي امتد نفوذه من "جنوب الجزيرة العربية حتى بابل" ، فلم يكن عرش "سبأ" عرشا محليا معزولا بل مركزا لإدارة شبكة واسعة من النفوذ السياسي والاقتصادي كانت بلقيس عقلها المدبر وقلبها النابض ، لم تكن تحكم بعنف السيف لأن السيف لا يبني حضارة ، ولا كانت تؤمن بأن إخضاع الشعوب هو الطريق إلى الخلود ، لانها أدركت قبل قرون طويلة من تشكل نظريات الدولة أن النفوذ الحقيقي لا يولد من الدم بل من القدرة على صناعة التوازن بين القوى وعلى تحويل المصالح المتعارضة إلى منظومة تحفظ الاستقرار ، ولهذا لم يكن اسمها يتردد في بلاطات الملوك باعتبارها امرأة اعتلت العرش بل باعتبارها حاكمة استطاعت أن تجعل من السياسة علما ومن الحكمة أداة لإدارة عالم كان يموج بالصراعات.
أن أعظم ما يلفت الانتباه في شخصيتها أنها لم تسع إلى صناعة مجد شخصي بل إلى تأسيس دولة تعرف كيف تبقى ، فقد كانت ترى أن الحاكم الذي يربح معركة قد يخسر شعبا ، أما الحاكم الذي يربح ثقة الشعوب فإنه يكسب التاريخ نفسه ، ومن هنا اكتسبت مكانتها التي جعلت الممالك تنظر إلى سبأ بوصفها قوة يُحسب لها الحساب ، لا لأنها الأكثر بطشا بل لأنها الأكثر حكمة ، لذلك فإن بلقيس ليست مجرد اسم تناقلته الحضارات وإنما مشروع دولة سبق عصره بقرون ، امرأة قرأت الجغرافيا باعتبارها لغة للسياسة ، وقرأت التجارة باعتبارها طريقا للسيادة ، وقرأت الإنسان باعتباره أساس كل حضارة ، ولهذا فإن امتداد نفوذها لم يكن توسعا عسكريا بقدر ما كان اتساعا لسلطة العقل ، حتى غدت من سبأ إلى بابل عنوانا لمرحلة آمنت بأن الحكمة تستطيع أن تحقق ما تعجز عنه الجيوش ، وأن العروش التي تبنى على البصيرة تبقى أطول من تلك التي تبنى على السلاح.

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي