مقالات ادبية واجتماعية وفنية
طه عبد الرحمن
ناقد | فلسطيني
تتفتح الكلمات في مقال الدكتورة آمال بوحرب كما تتفتح زهرة اللوتس فوق مياه راكدة، لتكشف عن عوالم كانت مسكونة بالصمت، ومحفوفة بأسئلة ظلت طويلاً رهينة الهامش. إنها تمارس فعل التنقيب في طبقات الخطاب النسوي، لا بوصفه رد فعل على مركز ذكوري مهيمن، بل بوصفه تأسيساً لنمط مغاير من الوعي بالذات والعالم، نمط ينبثق من الجسد ليكون منطلقاً للفلسفة، ومن التجربة المعيشة لتكون مادة للتفكير، ومن العلاقة الملتبسة مع الآخر لتكون أفقاً لإعادة تعريف ماهية القول ذاته.
إن ما يميز هذه القراءة النقدية العميقة هو قدرتها على تفكيك الثنائيات الصلبة التي حكمت تاريخ الفلسفة: عقل/جسد، ذات/آخر، مركز/هامش. فمنذ فيثاغورس وأرسطو، مروراً بهيغل، تشكلت بنية فلسفية أقصت الجسد من دائرة المعرفة الجادة، وربطت الأنوثة بالطبيعة مقابل العقل الذكوري المتجرد. لكن الكاتبة لا تقف عند حدود كشف آليات الإقصاء، بل تمضي إلى ما هو أبعد حين ترصد كيف حولت المرأة هذا الإقصاء ذاته إلى مصدر للقوة المعرفية، فصارت الكتابة الأدبية فضاءً لممارسة التفلسف من داخل الجسد لا خارجه، ومن عمق التجربة لا من برج التجريد العاجي.
وهنا تكمن المفارقة الخلاقة التي تنسجها الدكتورة بوحرب بخيوط من ذهب: فالجسد الذي طالما كان سبباً في الحط من قيمة المرأة في السردية الفلسفية الغربية، يتحول في الخطاب النسوي إلى ينبوع للمعنى، وإلى مختبر لإنتاج الوعي. وتستند في ذلك إلى ترسانة نظرية متينة، تمتد من بوفوار ويونغ وميرلوبونتي، إلى إيريغاراي وبتلر، مروراً بولف وموريسون، لتشييد جسر معرفي يصل الفلسفة بالأدب، والتأمل النظري بالتجربة الحية.
غير أن اللمعان الحقيقي في هذا المقال يتجلى حين تنتقل الكاتبة من السياق الغربي إلى نظيره العربي، في حركة تأويلية تعيد قراءة التراث من موقع السؤال لا من موقع التسليم. إنها تبرز كيف أن النسوية العربية لم تكن مجرد استيراد لمفاهيم غربية، بل كانت مشروعاً نقدياً يعيد تمحيص التأويلات التاريخية، ويكشف عن جذور القهر في البنية الاجتماعية، ويبحث عن صوت أنثوي أصيل في قلب الثقافة العربية. وفي هذا السياق، تستحضر أسماء لامعة من فاطمة المرنيسي إلى نوال السعداوي، ومن غادة السمان إلى أحلام مستغانمي، وصولاً إلى التجربة العراقية المتمثلة في نازك الملائكة وإنعام كجه جي وبتول الخضيري، لتؤكد أن القول الأنثوي العربي كان دائماً متشابكاً مع الهم الوطني والقومي والوجودي، ولم يكن منعزلاً في شرنقة الجسد الضيقة.
لكن الذروة الفكرية في هذا المقال تتجسد في تلك الإشارة الخاطفة إلى رأي الناقد عبد العاطي كيوان، الذي يرى أن هموم الكتابة النسائية تتجاوز التفكير اليومي لتكتسب قيمتها من أفق الوجود، بينما يرى غيره أنها لا ترقى إلى مستوى الأسئلة الكبرى. وهنا تمسك الدكتورة بوحرب بخيط رفيع من التوازن النقدي، فهي لا ترفض الرأي الآخر جملة، بل تعترف بأن فيه "إجحافاً في حق الكثير من الإبداعات الأدبية النسائية"، لكنها في الوقت ذاته تستحضر رأي سعيد يقطين الذي يربط الكتابة النسائية ب"حب الذات أو النرجسية"، وكأنها تفتح نافذة على إشكالية أعمق: هل الكتابة النسوية محكومة بأن تكون سيرة ذاتية مموهة؟ أم أنها قادرة على تجاوز الذات إلى الغيرية؟ وهل "النرجسية" التي يتهم بها النقد الذكوري الكاتبات ليست سوى محاولة لاستعادة ذات طالما صودرت وسُلبت؟
إن مكمن الجمال في هذا المقال لا يكمن فقط في سعة الاطلاع أو دقة التحليل، بل في تلك الروح التي تسري في ثناياه، روح تحتفي بالجسد لا بوصفه موضوعاً للشهوة أو الرغبة، بل بوصفه "موقعاً للتجربة الحية بكل أبعادها البيولوجية والاجتماعية والرمزية". إنها كتابة تنحاز إلى المعنى المتجسد، إلى الفلسفة التي تنبثق من مسام الوجود اليومي، إلى الأدب الذي لا يخجل من اعترافاته الحميمة. وفي هذا الانحياز تكمن رسالة خفية: أن على الفلسفة العربية المعاصرة أن تعيد تعريف أدواتها، وأن تنصت إلى الأصوات التي كانت تعد هامشية، وأن تفهم أن الكوني لا يُبنى على أنقاض الخاص، بل من خلال الاعتراف بتعدد التجارب الإنسانية.
وفي الختام، تطرح الدكتورة بوحرب سؤالين جوهريين يظلان معلقين في أفق التفكير: كيف يمكن للعقل الفلسفي العربي أن يطوّر مفاهيمه في ضوء الوعي المتجسد؟ وكيف تسهم التجربة الأنثوية في بناء كونية إنسانية قائمة على الاعتراف بالتعدد؟ إنهما سؤالان لا يطلبان إجابة سريعة، بل يدعوان إلى ممارسة نقدية مستمرة، وإلى حوار لا ينقطع بين الفلسفة والأدب، بين الجسد والفكرة، بين الذات والآخر. وفي هذا الأفق المفتوح، تكتسب كلمات الدكتورة آمال بوحرب معناها الأعمق: إنها دعوة إلى إعادة كتابة تاريخ المعرفة من موقع الأنثى، لا بوصفها ضحية أو موضوعاً، بل بوصفها ذاتاً فاعلة تعيد تعريف العالم انطلاقاً من تجربتها الفريدة في الوجود.

...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي