مقالات ادبية واجتماعية وفنية
سعد سرحت/باحث لغوي عراقي
قبل عقد من الزمن اعتلت الدكتورة(صبا عدنان) كرسيّ الرئاسة بجامعة تكريت، فأصبحتْ "أوَّل رئيسٍ" للجامعة في تاريخ العراق.
كيف استقبل الناس_بما فيهم الأكاديميون_ هذا الخبر؟. وكيف تعاطوا مع الواقعة في الأسابيع الأولى؟.
كانت الوجوه بين الدهشة والاكفهرار والوجوم، أمّا الألسن فمتطاولة ليس بمقدورها كتمان ما يجول في النفوس. أتحدّث هنا بذاكرة أثنوغرافيّ مراقبٍ ومشاركٍ. كانت أذني التي تأكلها دابة الأرض منشغلة بلغة المجتمع وهي تعبّر عن الواقعة وتعكس ما طرأ على نظام الأدوار من خلخلة غير مألوفة عندنا.
في الأسابيع الأولى لم أسمع كلمة (رئيسة) إلّا في مقام الحديث والنقاش عن كيفية مخاطبتها رسميّا, أنقول: رئيس الجامعة أم رئيسة الجامعة؟. وقد تتخلّل النقاشات لغة المزاح متراوحة بين الاستخفاف والتَّذمر,على الرّغم من أنَّ مُشكِلَ تأنيث هذه الكلمة لم يكن جديدًا,فقد عانى الناس منها عند مخاطبة رئيسات الأقسام والفروع.
لكن هذا لم يكن همّي، فاللغة المؤسسية والمخاطبات الرسمية غاية في الاصطناع والتقريرية، ولا أظنّ أنها تشغل الأثنوغرافي؛ لأن الاثنوغرافيا حرفة حرّة لا تتقيّد بالمصطنع والرَّسمي. الذي يهمّ إزاء حدث مهم مثل هذا لغة الناس اليومية ومدى مطابقتها لرؤى المجتمع وقناعاته.
مع الوقت أخذ الناس باعتياد الصَّدمة، إذ تلاشى الاستغراب في نفوسهم وأساريرهم، وتشبعت أعينهم بسيادتها وهي تتجول وتعقد الاجتماعات وتزور قاعات الدرس وتحضر المناقشات والندوات، ومن كلّ هذا استساغت مسامعهم تأنيث اللفظة, فخلال أقلّ من شهرين أصبحت كلمة(الرئيسة) واقعًا لا مفرَّ منه.
هنا تأكد عندي أنّ قبول تأنيث الألقاب مسألة اجتماعية عمادها العادة والألفة، فكم من حِرفةٍ أبت على التأنيث في زمنٍ كانت فيه امتيازً رجوليًّا، غير أنّها مع مرور الزمن وتقلّباته خضعت للتأنيث بطريقة آلية بتأييد من المجتمع فأصبحت قسمة بين الذكور والإناث.
نعم، كأيّ أمة، كانت-وما تزال- العرب أمة ذكورية، وفي الثقافات الذكورية يتسيّد الرجل على أغلب المناصب والحرف والأعمال، فينعكس ذلك على لغة حاملي الثقافة، ولهذا جرت العادة في العرب ألَّا يدخلوا علامة تأنيث على الصفات التي أصبحت اليوم مشتركة بين المذكر والمؤنث، وذلك من باب تغليب المذكر. ( )
استمرت هذه العادة في الأدبيات المعاصرة على ألقاب من قبيل: (رئيس، أمير، وكيل، وصي، وزير، سفير، عضو، شاهد، نائب، أستاذ، مدير).وكان الفراء_رحمة الله عليه_قد لخّص المسألة بقوله:((لأنه إنَّما يكون في الرجال دون النساء أكثر ما يكون، فلما احتاجوا إليه في النساء أجروه على الأكثر من موضعيه.)) ( ) بمعنى أنّهم أجروا هذه الصفات على المذكر ,لأن أكثر ما يوصف بها المذكر.
من العلماء من يبيح شيئًا من هذه الأسماء شريطة السماع، ولذا اجازوا تأنيث (وكيل) و(عديل) لورودهما عن العرب جمع مؤنث سالمًا(وكيلات-عديلات). ممّا يدلّ على جواز قولك: (وكيلة, عديلة). وممّا سمع عن العرب( )، أيضا، تأنيث(أمير) في قول أحدهم: ( )
فلو جاءوا ببرةَ أو بهندٍ
لبايعنا أميرة مؤمنينا
وعلى ذلك أقرَّ مجمع اللغة العربية بالقاهرة بضرورة لحاق تاء التأنيث بهذه الألقاب.( ) وكان الدكتور إبراهيم الجعفري رئيس الوزراء السابق أول من تصدّى لإشكالية تغليب الألقاب المذكرة تحت قبة البرلمان العراقي، وقد استشهد بهذين البيتين:
قول السيد أحمد الرفاعي:
في حالة البعد روحي كنت أرسلها
تقبل الأرض عني وهي (نائبتي)
وقول الأربلي البحراني في قصيدته اليتيمة:
وبكت أطلالها نائبة
عن جفوني أحسن الله جزاها
إذ أرادا ب(نائبتي ونائبة)التي تنوب عن الشيء عند الغياب.ولا أدري علام يصرُّ المختصون على أن(النائبة) تعني المصيبة حصرًا لا شيئا آخر؟! .
إذا كان تذكير الألقاب في الثقافة العربية القديمة قد ارتبط بالبنية الاجتماعية ونمط الحياة لدى العرب قديمًا، أفلا يصحّ اليوم تأنيثها في ظلّ تحولات ثقافية طرأت بقوة على البنيان الاجتماعي ونمط الحياة ؟.
وقبل أيام كنت أتابع مباراة ألمانيا والإكوادور ضمن لقاءات بطولة كأس العالم، فإذا بامرأة شقراء تقود المباراة بصحبة زميلتيها، على مدار المباراة كنت أنتظر المعلق أن يقول: (حكمة المباراة) لكنّه خيّبني ولم يستعمل اللفظة مؤنثة، فلم أنلْ مرادي إلّا عند أحدهم في غرفة التحليل...
يبدو لي_ولكم أيضًا_ أنّ تأنيث(الحكم) ثقيل على اللسان العربيّ؛ والسبب في ذلك عدم اعتياد الناس على مهنة التحكيم للإناث، جرب مع نفسك وقلْ:(حكمة المباراة). ثقيلة على لسانك أعرف,إذ لم يعتد هذا اللسان على كلمة(حكَمة), لم يستسغها بعدُ.
خضعت لعبة كرة القدم للتأنيث، لكنّ مهنة التحكيم بقيت رجوليًّة، فتأنيثها غير مُقنع، فما تزال في مستهل طريقها نحو التأنيث، لعلنا مع مرور الوقت نقنع ونستسيغها فتنساب اللفظة على لساننا.
ما أقصده بالاعتياد هنا هو كلّ شيء اعتادَ الناسُ عليه من دونِ النظرِ إلى صلاحِه أو عدم صلاحه، فغير الصالح إذا تمكّن من النفس مرة وسُوِّغَ فقد تكرّر، وإذا تكرّرَ تقرَّرَ فأصبح عُرفًا ( ) ، فلا طاقة للإرادة في عصيان العادة، من هنا أصرّ بعض علماء الاجتماع على أنّ العادات والأعراف هي التي تخلق الصَّواب). معنى ذلك أنّ الصواب ليس بالضرورة أنْ يكون منطقيًّا، بل يكفي أنْ يكون مقبولًا في المجتمع وإن لم يكن صائبًا صحيحًا في ذاته,وهذا القول يسري على اللغة بلا شكّ .
عندما نقول اليوم: (أستاذة، وعميدة، ونائبة... إلخ) لم يعد المجتمع العربي يستثقل أيًّا منها أو يحسّ عند التلفظ بحرج كبير أو نشاز, والسبب في ذلك هو أنّ المجتمع اعتاد على تأنيث هذه الحرف، وأخذ اسم الحرفة يطرق الأسماع بصورة متكررة وملحّة حتى صار مقبولًا. وقبل أيام حاورت معلمًا محالًا على التقاعد، ودار بيننا حوار عن شيء من هذا، قال: في أيام الطفولة كنا نستغرب من كلمة(معلمة) حتى رأيناها بأعيننا، ولم يتلاشَ استغرابنا إلّا بعد حينَ.
هذه الألقاب صحّ تأنيثها واستساغها الناس لأنّ العادة تناولتها، أمَّا تأنيث(حَكَم) فمتوقف لا على تأنيث حرفة التحكيم فحسب، لأنّ الأمر تحقق فعلًا بتأنيب رياضة كرة القدم منذ زمن، بل ينبغي أنْ تتناوله العادة إثر تشبّع المجتمع منه قبولًا واعتمادًا وكثرةَ دورانٍ على اللسان، ألَا ترى أنّ المجتمع ما يزال يضع انخراط الإناث في السلك العسكريّ موضع العيب ولا يتقبله على الرّغم من شيوع الظاهرة، فما لم يتقبله المجتمع بعدُ لا يُهضم تأنيث ما يشير إليه مباشرة.
ومن هنا لا نلبث اليوم نستثقل أنْ نقول:(ضابطة، رائدة، عميدة، ملازمة، عريفة، نائبة ...إلخ). فما تزال اللفظة غير مقبولة؛ لأن المجتمع يستثقل المهنة ويضعها موضع غير المحمود من المهن للنساء, والغريب عن طباعهنّ.
وهكذا يتوقف قبول تأنيث اللفظة على قبول تأنيث الحرفة مع مرور الزمن إثر الإقرار الاجتماعي والاعتياد، ومن ثمّ تأخذ ألسنة الناس عليها فتُقبل, والألقاب التي يستثقل الناس تأنيثها الزمن كفيل بتليينها.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي