مقالات ادبية واجتماعية وفنية
سميحة مسعودي
كاتبة تونسية
وأنا أتصفّح آخر إصدارات الأدب التونسي استوقفني إصدار "أستروجين ودهشات الكرز" للكاتبة سلوى القلعي، الطفلة التي لا تكبر والمرأة التي لا تقبل الصمت ولا تلازم الحياد.
يقول إدغار موران "يجب أن تُقرأ القصّة في جلسة واحدةٍ وأن تُحدِث أثرًا واحدًا في نفس القارئ" وهو ما حدث لي بعد قراءة هذه المجموعة، فقد قدّمت لنا سلوى وجوهًا مختلفة من النساء في تونس؛
كانت تقف وراء كلّ شخصيّة من شخصياتها وتدفعها إلى قول "أنا لست راضيةً عمّا يحدث!". قد تنجح في ذلك وقد تفشل، غير أنّ رفضها ليس من أجل الرفض، بل هو مقاومة لهيمنة الذكر على الأنثى وانتصارٌ للرجولة الحقيقيّة التي تكرّم المرأة وتُجلّها وتُعاملها بصفتها ندًّا لا كائنًا أقلّ درجة أو منزلة.
في حكاية أستروجين أدخلتنا القاصّة إلى غرفة بسمة ومطبخها وكشفت لنا حتى عن جسدها المترهّل بفعل الخيبة والزمن والتنازلات التي لم تكفّ عن تقديمها حتى آخر لحظة من حياة رفيق دربها شاكر، ذاك الذي أنهت سلوى القلعي حياته بطريقة مرعبة اختارتها بعنايةٍ فجعلت الدم المتسرّب من أنفه وأذنيه رمزًا لاندحار الصورة النمطيّة المتكرّرة للرجل الشرقيّ عامّة والتونسيّ على وجه الخصوص، وتتنوّع القصص بين الرفض والمفارقة والسخرية وبين الإدهاش والنهايات الصادمة جاعلة من القصّ وسيلة لكشف جراح الإنسان الاجتماعيّة.
بدت لي المجموعة القصصيّة "أستروجين ودهشات الكرز" أشبه ما يكون بنشيدٍ حزينٍ أو تعليلة أو قصيدًا ثوريًّا تكرّرت فيه متلازمة "أنا لست راضية عمّا يحدث!".
في هذه المجموعة نتعرّف على ملامح غير مألوفة في القصّ التونسي ونكتشف خفايا العائلة التقليديّة ومزاياها، الجسد المخذول وعلاقته بالحب وبالشهوة، المرأة التي أكلتها السنوات وحين فهمت الدرس وجدت نفسها جثة متنقّلة، ولمن لايعرف عاداتنا التونسيّة يمكنه أيضا أن يكتشف الزينة التقليديّة في الأعراس كالحرقوس مع شخصيّة فافاني الوشّامة والأكل مثل الكسكسي المرصّع بالحمص والزبيب والحلويّات واللبس والتعابير التونسيّة الأصيلة التي تردّدها النسوة في لحظات الانفعال وأسماء النسوة اللاتي نستشعر فيهنّ روح البلد مثل شخصيّة "خالتي منّانة" وسعاد وفطّومة وزينة بالإضافة إلى شخصيّات أخرى نكتشف معها بعض الأغاني التونسيّة المعتّقة بروائح المدينة والبداوة في آن.
نجلس في الزوايا ونتجوّل في الأحياء الشعبيّة ونرى في الأنهج النهايات المحشوّة بالخيبة والخذلان فسعاد في قصّة "ذاكرة حذاء "هي" عالم من أسرار المدينة المنحطّة" على حدّ قول الكاتبة وهي أنموذج عن المرأة المنتمية إلى الطبقة المسحوقة من المجتمع وهي أيضًا لقطة ومشهد دراميّ في الكشف عن كيفيّة عيشها وتعايشها مع الآخر بكلّ بما يحمل من ترسّبات وأفكار ووهم وذكوريّة لكن الأجمل من هذا كلّه هو التدرّج الذكيّ الذي توسّلته الكاتبة في عملية القصّ فبعد مشاهد الخيبة والانكسار والصراع أدخلتنا في لعبة ذكيّة عنونتها بـ"دهشات الكرز"، ومن هناك بدأ التكثيف والتلميح برسالة أو وصيّة مفادها:
"لا ترض عمّا يحدث!"


...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي