مقالات ادبية واجتماعية وفنية
ناطق فرج
كاتب ومترجم | عراقي
«حين سَكَتَ أهلُ الحقِّ عن الباطلِ، توهَّمَ أهلُ الباطلِ أنَّهم على حقٍّ»!
علي بن أبي طالب
يسألونكَ عن «الأوردر والديلفري»، قُلْ هي فكرةٌ مستوردةٌ من بلادِ الخواجات... بنقرةٍ بسيطة تفتح التطبيق، تختار الوجبة، تضغط «اطلب الآن»، وبعد قليل يصل الطَّعام إلى بابِ المنزل. تأكلُ وجبتَكَ الدَّسمة، ثمَّ تتكئ إلى الخلف، تتحسَّسُ كرشَكَ، وتتجشأ تجشؤ المنتصر، كأنَّك أنجزتَ للتوِّ أعظم مشروعٍ في حياتك.
ثمَّ يأتي السُّؤال المصيري: ماذا بعد؟
ماذا بعد استكان الچاي؟
ماذا بعد القيلولة؟
ماذا بعد أن تذهب إلى المول للمرة الألف بعد الألف، تتفرَّج على الواجهات نفسها، وتشتري الأشياء نفسها، وتلتقط السيلفيات نفسها؟
وماذا بعد المقهى؟
وماذا بعد التسكُّع في الشوارع؟
وماذا بعد أن تملأ هاتفك بصور أطباق الطعام والحلويات؟
ماذا بعد كلِّ هذا؟
هل يخطر ببالك، ولو لدقيقةٍ واحدة، أن تسأل: مَن يحكم هذا البلد؟ وكيف يحكمونه؟ ليس من باب الفضول، ولا لأنَّك تريد أن تصبح خبيرًا سياسيًا؛ فقط اسأل سؤالًا صغيرًا: هؤلاء الذين يحكمونني، هل يمثلونني فعلًا؟ هل يعملون من أجلِ مستقبلي ومستقبل أولادي؟ أم أنَّني أنا الذي أعمل من أجل مستقبلهم؟
اسأل أيضاً: أين تذهب ثروات البلد؟
السؤال ليس فلسفياً.
هذا بلدُكَ...
هذه أرضُكَ...
وهذه الثروة التي تُستخرج من تحت قدميك ليست ملكاً أبدياً لبنت نصيّف أو لابن الجميلي ولا حتى لـ «أبو مازن»؟ ولا هي هبةٌ لمن وصل إلى كرسيّ الحكم. فكيف يمكن لبلد غني بالموارد أن يعجز عن توفير أبسط الخدمات؟
أين الماء الصالح للشرب؟
أين الكهرباء المستقرة؟
أين المستشفى الحديثة التي تعالجك وتهتم بصحّتك؟
أين المدرسة التي تمنح ابنَكَ مستقبلًا، لا مجرَّد شهادة؟
وأين الطُّرق والخدمات والإدارة التي تجعلك تشعر أنَّك مواطن محترم، لا زبون دائم في طابورٍ من الأزمات؟
ثمَّ هناك سؤال أكثر إيلامًا:
أين صحتك وصحة أطفالك من كلِّ هذا؟
هل يكفي أن يكون الطَّعام أمامك حتى يكون مستقبلك آمنًا؟
هل يكفي أن تستطيع شراء وجبة، بينما لا تستطيع أن تضمن لطفلك ماءً نظيفًا وهواءً نقيًّا وتعليمًا محترمًا؟
وهنا نصل إلى المفارقة التي تستحق أن نتوقَّف عندها.
قد تسمع عن ثروات هائلة، وعن أموال طائلة، وعن مشاريع وأرقام بمليارات الدولارات، ثمَّ تذهب إلى بيتك لتكتشف أنَّ الكهرباء شبه منعدمة، والماء ملوَّثٌ، والخدمات مُعطَّلة، والأرصفة مهدَّمة، والوظيفة حُلُمًا، والمستقبل سؤالًا مفتوحًا.
فأين ذهبت الثروة؟
هل تبخَّرت؟
أم أنَّها تحوَّلت إلى قصورٍ وحسابات وممتلكات لا يعرف المواطن عنها شيئًا؟
هل يُعقل أن تتحوَّل ثروات بلدٍ بأكمله إلى بذخٍ شخصي، إلى ملابس داخلية من الذهب الخالص، وقصور في جميع أنحاء المعمورة، وسيّارات فارهة، وحُلي وسبائك ذهبية، بينما المواطن مشغول بتدبير فاتورة الكهرباء وثمن الدواء؟
وهل يُعقل أن تُنهب خزينة الدولة، ثمَّ تصبح سرقة القرن مع مرور الوقت نسيًا منسيًّا، بينما يصبح الفاسد في نظر الناس «شخصًا شاطرًا يعرف من أين تؤكل الكتف»؟
المشكلة ليست في الفاسد وحده.
المشكلة في اللَّحظة التي يتحوَّل فيها الفساد من جريمةٍ إلى أمرٍ مألوف!
المشكلة في اللَّحظة التي يسمع المواطن عن قضيَّةِ فساد فيقول: «يلّا يمعوَّد»!
أو حين يرى المال العام يُهدر فيقول: «كلهم هالشَّكل»، أو يتهم الدولة الجارة!
أو حين يكتشف أنَّ المسؤول لا يُحاسَب، يشعر ساعتها باليأس، غير أنَّه يضغط على تطبيق «الأوردر والديلفري» يطلبَ وجبةً سريعةً أخرى، ويشاهد مباراةً أخرى، وينتظر عطلةً أخرى.
وهكذا يصبح الفساد جزءًا من الأثاث، نراه، نتعايش معه، ونضع فوقه مزهرية، لكنَّ المشكلة لا تتوقَّف عند المال.
الأرض نفسها تحتاج إلى سؤال.
هل نزرعها كما ينبغي؟
هل نستثمر مواردها؟
هل ننتج غذاءنا؟ أم أنَّنا نترك الأرض، ثمَّ نذهب إلى السوق لنشتري ما كان يمكن أن تنتجه أيدينا؟
نستورد ما نأكل، ونستورد ما نشرب، ونستورد ما نلبس، ونستورد حتى بعض أحلامنا، ثمَّ نقف أمام المرآة ونتساءل: لماذا لا يتغيَّر الحال في بلدنا؟
ربما نحن مَن بحاجةٍ إلى أن نتغيَّر! هل فكَّرتم في ذلك؟
هل سألتم أنفسكم: ماذا قدَّمتْ لي الدولة؟ بدلاً من: ماذا فعلتُ أنا كمواطن؟
هل سألتَ؟
هل تابعتَ؟
هل قرأتَ؟
هل طالبتَ بحقِّكَ؟
هل حاسبتَ مَن انتخبتهم أو دعمتهم؟
هل قلتَ «لا» عندما كان يجب أن تقول «لا»؟
هل قَبِلْتَ أن تتحوَّل حقوقكَ إلى مِنّة، والخدمات إلى هديَّة، والمال العام إلى غنيمة؟
الدولة لا تنهار في يومٍ واحد، بل شيئًا فشيئًا.
تنهار حين يُسرق المال العام،
وحين لا يُعاقبُ الفاسد،
وحين يصمتُ الشريف،
وحين يعتادُ المواطن على الرداءة،
وحين يصبحُ القانون شيئًا يمكن الالتفاف عليه بكلِّ بساطة...
والأخطر من ذلك أن يعتادَ الإنسانُ على كلِّ هذا إلى الحد الذي لا يراه غريبًا أو مستهجنًا.
لذلك، قبل أن تطلب الأوردر التالي، اسأل نفسك:
ماذا بعد الأوردر؟
ماذا بعد الوجبة؟
ماذا بعد استكان الچاي؟
ماذا بعد القيلولة؟
ماذا بعد المول؟
ماذا بعد المقهى؟
ماذا بعد أن ينتهي يوم آخر وتغلق هاتفك؟
ماذا بعد انتهاء مباراة الريال وبرشلونا؟
هل سيبقى لكَ بلدٌ صالحٌ للحياة؟
وهل سيبقى لأولادك مستقبل يستحق أن نتركه لهم؟
ربما آن الأوان أن نخرج من قائمة الطعام قليلًا، وندخل إلى قائمة الأسئلة.
فالدول لا تُنقذها التُّخمة والكروش المندلقة.
ولا تنقذها القيلولة.
ولا ينقذها المول.
ولا الديلفري.
الدول ينقذها المواطن حين يتذكَّر أنَّه مواطن.
وحين يفهم أنَّ الصَّمتَ ليس دائمًا حيادًا.
أحيانًا يكونُ الصَّمتُ هو الأوردر الذي طلبناه بأنفسنا، ثمَّ جلسنا ننتظر وصوله...
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي