مقالات ادبية واجتماعية وفنية
نادين الشاعر/كاتبة وشاعرة سورية
إن الرحيل عبر الزمن ليس إلا مرآة تعكس شوق دفين تتضمنه النفس الإنسانية العميقة لخوض غمار تجارب حقيقية لمسها القدماء وبقيت جذوتها مشتعلة في النفس البشرية المتطورة ،شهوة للخوض في تفاصيل الحياة البدائية وتأويل كل أثر متروك رمزاً كان أو طوطم .
هذه الرغبة الحثيثة تدفعني دائماً للخوض في مثل هذه الكتب رغبةً مني في استجلاب صورة تاريخية أرشيفية ربما مغروسة في العمق الانساني داخلي وربما هي مجرد نهم لاستطلاع أخبار الأولين .
كيف تشكّل الوعي الديني عند الإنسان قبل ظهور الأديان التاريخية المنظمة؟
يرى د. خزعل أن الدين لم يظهر فجأة كمنظومة مكتملة، بل هو نتاج تطور طويل لوعي الإنساني البدائي، ارتبط بمحاولة تفسير العالم، والخوف من الظواهر الطبيعية، والتجربة الوجودية للموت حيث تجربة الانسان الأول للظواهر وتجرعه الموت أدى لتعميق وعيه وظهور الأسئلة الأولى التي أنتجت الخوف و بالتالي محاولة صنع درع يقي هذا الغموض.
اعتمد البحث على علم الآثار (الكهوف، المقابر، الرسوم الصخرية)
الأنثروبولوجيا (دراسة المجتمعات البدائية المعاصرة)
المقارنة بين الثقافات القديمة و ما تركته من أثر أدى لتوضيح المفارقات بين هذه الثقافات من حيث اللبنة الاولى لجوهر المصطلح الديني .
حيث وضع تسميات لجذور التفكير الديني البدائي
1. الأنيمية (إضفاء الروح على الطبيعة)
يرى د. خزعل أن التفكير الديني هو الاعتقاد بأن:
كل شيء في الطبيعة له روح (أشجار، أنهار، جبال)
هذه الأرواح تؤثر في حياة الإنسان بشكل مباشر وقد جاء
هذا التفسير من
أولاً عجز الإنسان عن تفسير الظواهر الطبيعية (البرق ،الرعد المطر، الفيضانات )
و ثانياً إسقاط الوعي البشري على العالم الخارجي أي تعظيم هذه الظواهر و تقديسها .
2. عبادة الأسلاف
من أقدم المعتقدات الإنسانية
الاعتقاد أن الموتى لا يفنون تماماً بل يستمر تأثيرهم على الأحياء من خلال
. طقوس الدفن التي تختلف من حضارة لحضارة
. تقديم القرابين للقبور وهي من الاشياء المحفوظة المتشابهة بين الحضارات
. وضع أدوات مع الميت يستطيع من خلالها البقاء وتساعده في الحياة الأخرى.
وبحسب د .ماجد هذا يعكس حتماً خوف الإنسان من الموت
ورغبته في استمرار العلاقة مع الأجداد و إبقاء الصلة واضحة .
3. السحر والطقوس البدائية
السحر كان سابقاً للدين المنظم و شائعاً ويشمل:
. طقوس الصيد لضمان النجاح.
. طقوس المطر والخصوبة.
. استخدام الرموز والرسم على جدران الكهوف.
وهذا السحر محاولة “تأثير وهمي” على الواقع عبر الرموز والطقوس التي كانت تستخدم لجذب انتباه الناس وضمان السيطرة عليهم والتحكم بهم من خلال الصورة البصرية الوهمية .
يوضح د. خزعل بعض الأدلة الأثرية على المعتقدات الانسانية العميقة وهي
. الرسوم الصخرية الموجودة على البقايا الصخرية والكهوف
مثل كهوف العصر الحجري التي تحتوي على رسومات حيوانية و مشاهد الصيد التراتبية المرسومة بدقة
كرموز غير تفسيرية واضحة و أنها ليست فناً فقط بل ذات وظيفة دينية أو سحرية
مرتبطة بطقوس الصيد و الخصوبة.
. المقابر والدفن
واحدة من أهم الأدلة على
دفن الموتى بطريقة منظمة
وضع أدوات وأطعمة مع الميت
لوجود تصور مبكر مبهم عن الحياة بعد الموت أو انتقال الروح إلى عالم آخر وهذا يعني بالضرورة تطور إنسان ما قبل التاريخ.
تطورت فكرة الإله من خلال تطور الفكر الديني الذي أوجد
التعدد الروحي من خلال فكرة
أرواح متعددة لكل عنصر في الطبيعة (نبات، جماد ،حيوان ،انسان ).
كذلك تعدد الآلهة و
ظهور آلهة مرتبطة بظواهر محددة مثل
الشمس النهار
القمر الليل
المطر الخصب
الخصوبة الولادة
هذا التنظيم الديني دفع الإنسان لتطوير فكرة ظهور آلهة كبرى وظهور هياكل دينية أكثر انتظاماً .
و يؤكد د. خزعل ان هذا التطور من مجرد
فوضى رمزية إلى تنظيم عقائدي.
يربط النص الدين بالمجتمع، ويقول أن
الدين كان أداة لضبط السلوك الاجتماعي السائد و ساعد على توحيد الجماعة
و عزز السلطة (الشامان/الكاهن) حيث أن
دور الشامان (الكاهن البدائي)كان
وسيطاً بين الإنسان والعالم غير المرئي الغيبي وكذلك كان
مسؤولاً عن الطقوس والعادات و الشفاء و يمتلك سلطة رمزية و قيادية داخل الجماعة الإنسانية البدائية .
الدين عند الإنسان القديم لم يكن مجرد عقيدة، بل كان
وسيلة للتخفيف من القلق والخوف و تفسيراً للموت والمرض والكوارث وإعطاء معنى للوجود
كان الدين على ارتباط وثيق بالنفس الانسانية البدائية .
يعتمد د. خزعل على منظور:
تطوري حيث يرى أن الدين تطور من البسيط إلى المعقد حسب تطور الوعي البشري البدائي وكان له وظيفة نفسية و اجتماعية. ويمكن الملاحظة أنه اعتمد التركيز على التفسير المادي للتدين وهو المتروك كأثر وليس التعمق في البعد الرمزي الفلسفي للدين باعتقادي بسبب أن الأثر كان مختصراً
جداً .
الدين في ما قبل التاريخ لم يكن منظومة عقائدية ثابتة
بل مجموعة ممارسات ورموز وتصورات متطورة تدريجيًا
نشأ من الخوف، والتجربة، ومحاولة فهم الطبيعة
و تحوّل لاحقًا إلى أنظمة دينية منظمة.
الكتاب يقارب في نفس المجال كتاب "أصل الأديان" لإدوارد تايلور الذي ينتمي للمدرسة التطورية في علم الانثروبولوجيا ويطرح فكرة ان الدين هو نتاج تطوري للوعي الإنساني ومحاولة تفسير الطبيعة والموت وهذه مقاربة واضحة بين الكتابين كذاك العنصر الرئيسي للمنهج الدراسي تاريخي أنثروبولوجي تطوري بينما أصل الدين هو تطور تدريجي وهو ظاهرة إنسانية .
بينما يختلف الكتابان باعتماد د. خزعل على الأثر والتفصيل التاريخي والتركيز على الدور الرمزي ودراسة ما قبل التاريخ وقدمه كتطور ثقافي وأثري و إدوارد على المقاربات الثقافية البدائية وكان أكثر نظرياً و فلسفياً وركز على نشأة فكرة الروح والوعي ودراسة المجتمعات البدائية الحديثة وقدمه تايلور كتطور ذهني بفكرة الروح .
إن نصاً كأديان ما قبل التاريخ هو رحلة بحثية تنقلك نحو الإدراك المفصل بحيثية نشوء الدين و ارتباطه الوثيق بالسلطة التي تقدمه كحل للسيطرة على الوعي الجمعي البدائي وتوجيهه نحو معنى معين.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي