مقالات ادبية واجتماعية وفنية
أ.د حسين عبيد شراد ناقد وأكاديمي | عراقي
ليس الطوفان في قصيدة عارف الساعدي ماءً يعلو ثم ينحسر، ولا حكايةً دينيةً تستعاد من الذاكرة لمجرد استحضار الماضي؛ إنّه امتحانٌ للإنسان حين تضيق سفينة النجاة، ويصبح السؤال أكثر قسوة من الغرق نفسه: من يدخل السفينة؟ ومن يبقى خارجها؟
من هذه اللحظة تبدأ القصيدة في مغادرة الحكاية القديمة، لتستعيدها وهي تنظر بعينٍ أخرى إلى حاضر الإنسان. فالسفينة لم تعد خشبًا يشقّ الماء ويحمل الناجين، وإنما أصبحت صورةً مصغّرة لعالمٍ تتوزع فيه فرص النجاة كما تتوزع السلطة: هناك من يجد له مكانًا، وهناك من يقف عند الحافة، ينادي، ولا يأتيه الجواب.
يقول الساعدي:
ناديته وخيوط الصوت ترتفع
هل في السفينة يا مولاي متسع؟
ناديتهم كلهم، هل في سفينتكم؟
كأنهم سمعوا صوتي وما سمعوا
يبدو السؤال: «هل في السفينة متسع؟» سؤالًا عن مكان، لكنه سرعان ما يتجاوز المكان إلى المكانة. فالمتكلم لا يبحث عن موضع لجسده في السفينة بقدر ما يبحث عن موضع له في جماعةٍ قررت، بصورة صريحة أو ضمنية، من يستحق أن يكون في الداخل.
وما يجعل المشهد أكثر إيلامًا أن الشاعر لا ينادي شخصًا واحدًا فقط: «ناديتهم كلهم». إنّه يوسّع دائرة النداء حتى تشمل الجماعة بأكملها، وكأن الإقصاء لم يعد موقفًا فرديًا، وإنما صار نظامًا تتواطأ عليه الأصوات بالصمت. وهنا تتحول السفينة من مكان للنجاة إلى فضاءٍ للاختبار: اختبار الجماعة حين يصبح الخطر واحدًا، لكن النجاة ليست كذلك.
ومن هنا يمكن استدعاء مفهوم الهيمنة الرمزية عند بيير بورديو؛ فالسلطة، في تصور بورديو، لا تمارس فعلها بالقسر المباشر وحده، بل تستطيع أن تعمل من خلال اللغة والاعتراف والتصنيف ومنح الشرعية لبعض الأصوات وحجبها عن أصوات أخرى.¹
ولعل عبارة الساعدي: «كأنهم سمعوا صوتي وما سمعوا» تختصر هذه السلطة في صورة شعرية شديدة الكثافة. إنهم لم يصمّوا آذانهم تمامًا؛ لقد سمعوا، لكنهم لم يعترفوا. وبين السماع والاعتراف مسافةٌ خفية، هي المسافة التي تعمل فيها الهيمنة الرمزية.
أن يسمعوك ولا يعترفوا بك، أن يكون صوتك موجودًا في الفضاء، لكن لا يكون لك أثر فيه؛ تلك واحدة من أكثر صور الإقصاء قسوة. فالسلطة هنا لا تحتاج إلى أن تقول: «لا تدخل». يكفي أن تترك السؤال معلقًا، وأن تجعل النداء يضيع في الهواء.
وهنا تكتسب كلمة «متسع» دلالتها الأبعد. فالمتسع ليس مساحةً هندسية داخل سفينة، وإنما متسع رمزي للآخر. هل يتسع العالم لمن هو خارج الدائرة؟ هل تتسع الجماعة لصوتٍ لا يشبه أصواتها؟ وهل تكون النجاة حقًا مشتركًا، أم امتيازًا تمنحه السلطة لمن تشاء؟
ثم تنتقل القصيدة إلى سؤال أكثر خطورة:
ورحت أسأله يا شيخ، قسمة من
نجوت وحدك والباقون قد وقعوا
إنه سؤال لا يعود فيه الشاعر طالبًا للنجاة، بل يصبح مساءلًا لها. لقد انتقل من موقع المستغيث إلى موقع من يريد أن يعرف كيف قُسّمت النجاة.
وهذه النقلة هي واحدة من أكثر مناطق القصيدة إثارة. فالغرق يبدو في ظاهره قَدَرًا، أما النجاة فتبدو فعلًا بشريًا تحكمه الاختيارات. وعندما ينجو واحد ويسقط الباقون، يصبح السؤال عن العدالة سابقًا على الاحتفال بالخلاص.
من هنا تتحول السفينة إلى صورةٍ مكثفة للمجتمع. إنها ليست مكانًا يهرب إليه الإنسان من العالم، بل عالمٌ آخر مصغّر داخل الطوفان؛ عالمٌ له أبوابه وحدوده ومعاييره، وله في الداخل من يملك القرار، ومن ينتظر، ومن لا يُسمح له أصلًا بأن يكون جزءًا من المشهد.
ولذلك فإن الطوفان في الخارج قد يوحّد الجميع بالخوف، لكن السفينة في الداخل تكشف الفوارق التي كان الطوفان يخفيها.
وهنا تبرز أهمية الذاكرة الثقافية في القصيدة. فاستدعاء طوفان نوح لا يعمل بوصفه خلفيةً تراثية أو تناصًا عابرًا، وإنما يستحضر شبكة كاملة من الدلالات: السفينة، الغرق، الاختيار، النجاة، الخارج والداخل. وبمجرد أن تدخل هذه الذاكرة إلى القصيدة، يصبح الحاضر متورطًا في الحكاية القديمة، وتصبح الحكاية القديمة قادرةً على محاكمة الحاضر.
وهكذا لا يعود نوح شخصيةً بعيدة في زمن الأسطورة الدينية، ولا تعود السفينة مجرد وسيلة خلاص؛ إنهما يتحولان إلى مرآة ثقافية يرى فيها الإنسان المعاصر نفسه ومجتمعه وأسئلته القديمة التي لم تنتهِ.
وعلى هذا المستوى تتشكل القصيدة من مجموعة من التعارضات التي تمنحها توترها الداخلي: داخل/خارج، نجاة/هلاك، صوت/صمت، سماع/تجاهل، فرد/جماعة، ماضٍ/حاضر. وهذه ليست مجرد ثنائيات لغوية، بل تعارضات تكشف نسقًا ثقافيًا يوزع المواقع ويحدد من يكون في المركز ومن يبقى في الهامش.
وهذا ما يمكن أن نسميه التعارض النسقي الثقافي: حين تكشف الصورة الشعرية، من خلال تضاد بسيط، نظامًا كاملًا من القيم والتصورات. فالداخل لا يكتسب معناه إلا بوجود الخارج، والناجي لا يصبح «ناجيًا» إلا في مقابل من غرق، والسفينة لا تكشف معناها إلا عندما نرى من بقي واقفًا على الضفة الأخرى.
والأهم أن الشاعر لا يصرخ بشعارٍ مباشر عن الإقصاء؛ إنه يجعل القارئ يشعر به.
نسمع النداء، نرى السفينة، ننتظر الإجابة، ثم لا تأتي. وهنا تكمن قوة الشعر: إنه لا يقدم لنا مفهوم الهيمنة الرمزية بوصفه تعريفًا نظريًا، وإنما يحوله إلى تجربة حسية؛ تجربة إنسان يقف خارج المكان الذي يظن أن له حقًا فيه.
لذلك فإن «خارج السفينة» ليست مجرد حالة مكانية. إنها حالة وجودية وثقافية أيضًا: أن ترى النجاة أمامك ولا تكون جزءًا منها؛ أن يكون صوتك حاضرًا ولا يكون لك اعتراف؛ أن تعرف أن المشكلة ليست دائمًا في الطوفان، وإنما في من يملك مفتاح السفينة.
وبهذا تصبح قصيدة عارف الساعدي أكثر من إعادة كتابة لحكاية قديمة. إنها تستثمر الذاكرة الدينية لتسأل الحاضر عن سلطته الخفية: من يقرر؟ من يصنّف؟ من يمنح الاعتراف؟ ومن يستطيع أن يحوّل الإقصاء إلى أمر يبدو طبيعيًا لا يحتاج إلى تفسير؟
وربما هنا تحديدًا تتجاوز القصيدة مأساة المتكلم إلى مأساة الجماعة. فالسؤال لم يعد: لماذا لم تنقذوني؟ وإنما: كيف أصبح غرق الآخرين مقبولًا ما دامت سفينتنا قد امتلأت؟
إنها لحظة ينقلب فيها معنى النجاة نفسه. فالنجاة الفردية، حين تقوم على سقوط الجميع، لا تعود خلاصًا خالصًا؛ إنها تترك وراءها سؤالًا أخلاقيًا يلاحق الناجين.
ولهذا تبدو عبارة «هل في السفينة متسع؟» أكبر من سياقها الشعري. إنها سؤال عن الإنسان في عالمٍ تتقلص فيه المساحات المشتركة، وعن الجماعة حين تتحول النجاة من حق إلى امتياز، وعن السلطة حين لا تحتاج إلى إقصاء الآخر علنًا، بل تكتفي بأن تجعله يقف طويلًا عند الباب.
وربما لهذا لا ينبغي أن يكون السؤال الأخير: من نجا من الطوفان؟
فالسؤال الأشد قسوة هو:
من تركناه يغرق؟
لأن السفينة، في نهاية المطاف، ليست سفينة نوح وحدها؛ إنها استعارةٌ لعالمنا. والطوفان ليس ماءً دائمًا، والنجاة ليست بريئةً دائمًا، والسلطة لا تحتاج في كثير من الأحيان إلى أن تدفع أحدًا إلى البحر؛ يكفيها أحيانًا أن لا تفتح له الباب.

...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي