مقالات ادبية واجتماعية وفنية
ناطق فرج
كاتب ومترجم | عراقي
حين يظهر مقالٌ سياسي في إحدى الصحف، هل يحظى باهتمام السياسيين؟.
سؤال قد يبدو بسيطًا، لكنَّه في الحقيقة ليس كذلك...
قد يجد المقال طريقه إلى مكتب رئيس الوزراء، ولكن هل يقرأه؟ هل يتوقَّف عند فقرةٍ أثارت غضبه أو لفتت انتباهه؟ هل يسأل مستشاره عنها؟ هل يتصل بصاحبِ المقال كما كان يحدث أحيانًا في تجارب عربية سابقة؟ أم أنَّ المقالَ يمرُّ عَبر سلسلةٍ طويلةٍ من المستشارينَ، حتى يصله على شكلِ ملّخصٍ من بضعة أسطر؟
أحيانًا أتمنى، من باب الفضول، أن أدخلَ مكتب رئيس الوزراء لا لأعرف أسرار الدولة وإنَّما، ببساطة، لأرى ماذا يقرأ هذا الرجل؟
ما أوَّل شيءٍ يفعله في الصباح؟
هل يقرأُ الصحف؟
هل يتابع الصحافة الأجنبية؟
هل يقرأ المقالات؟
هل يقرأ كتابًا؟
هل تصله تقارير مركز الأبحاث، إنْ وجِد؟
كم من الوقت يمنحه للتقارير الاستخبارية والاقتصادية؟
ومَن يختار له ما ينبغي أن يقرأه؟
والسؤال الأهم: هل يقرأ ما لا يريد أن يسمعه؟.
شخصياً، أرى أنَّ ثمَّة فرقًا هائلًا بين رئيسٍ تصله كلّ صباح قصاصات تؤكِّد أنَّ كلَّ شيء على ما يرام، ورئيس يريد أن يعرفَ ماذا يقول عنه الصحفي المستقل، والكاتب المعارض، والمواطن الغاضب.
مِن السهل أن نقول عن رئيس الوزراء إنَّه «يتابع الإعلام»، أو إنَّه «يهتم بالصحافة»، أو إنَّه «يعقد اجتماعات دورية مع الصحفيين»، لكنَّ هذه الأشياء لا تجيب عن السؤال الذي يعنيني: هل يقرأ رئيس الوزراء بعض ما يُنشر في الصحف؟
في الحقيقة هناك أربع أنماط مختلفة من الحُكّام:
هناك حاكمٌ لا يقرأ، ويعتمد بصورة شبه كاملة على ما يقوله له المحيطون به.
وحاكمٌ يتابع؛ يشاهد الأخبار ويعرف العناوين الكبرى، لكنَّه لا يدخل في التفاصيل.
وحاكم يقرأ؛ يتصفَّح الصحف والمقالات والتقارير والكتب بنفسه.
ثمَّ هناك النمط الرابع، وهو الأكثر أهمية: حاكمٌ يفكِّر فيما يقرأ. يقارن بين الروايات، ويشكُّ في المعلوماتِ، ويسأل عن الرأي المخالف.
هذا النمط من الحُكّام يهمَّني.
إنَّ الحاكم الذي يقرأ عشر صحفٍ لا يكون بالضرورة أكثر معرفةٍ من حاكمٍ يقرأ خمس صحفٍ، إذا كانت الصحف العشرة تقول له الشيء نفسه. كذلك الذي يقرأ الصحيفة التي تؤيده لا يتعلَّم الكثير عن نفسه.
أما الحاكم الذي يقرأ الصحيفة التي تنتقده، ويتابع الكاتب الذي يختلف معه،
فإنَّه يفتح نافذةً على العالم خارج مكتبه.
ثمَّة سؤالٌ طالما راودني: مَن يقرّر للحاكم ماذا يقرأ؟
فالمستشار ليس مجرَّد ناقل للمعلومة. إنَّه، بطريقةٍ ما، فلتر معرفي. وهذا يجعل كفاءة المستشارين ونزاهتهم واستقلالهم الفكري مسألة شديدة الحساسية.
يمكن لرئيسٍ أن يكونَ ذكيًا وقارئًا ومحبًا للمعرفة، لكنَّه إذا أحاط نفسه بأشخاصٍ لا يقولونَ له إلا ما يريد سماعه، فإنَّ ذكاءه لن يحميه بالضرورةِ من العمى السياسي.
لنأخذ مبارك وصدام كمثالين مختلفين...
ما أعرفه عن الرئيس المصري الراحل حسني مبارك، من بعض الشهادات الصحفية، أنَّه كان يقرأ مقالات بعينها ويتصل أحيانًا بصاحب المقال لمناقشة ما كتب.
إذا صحَّت هذه الشهادات وتأكَّدت من مصادر متعدّدة، فإنَّها أكثر أهمية بكثير من عبارةٍ عامَّة مثل «كان مبارك يتابع الصحافة». لأنَّ هناك فرقًا بين أن تكون الصحف موجودة على مكتب الرئيس، وبين أن يقرأ الرئيس مقالًا ثمَّ يرفع سماعة الهاتف ويتحدَّث مع كاتبه.
هنا يصبح التواصل مباشرًا والعلاقة المعرفية حقيقية بين السُّلطة والصحافة، لكنَّ الأمر كان مختلفًا في العراق في عهد صدام.
فوفق شهادات وروايات متعددة تقول إنَّ صدام كان يتابع الصحف ويهتمُّ بما تنشره ويقوم بالتعليق على بعض المواد، لكنَّ المشكلة الحقيقية أنَّ البيئة الإعلامية نفسها لم تكن تسمح بوجود الرأي المخالف.
وهنا نصل إلى مفارقة مهمة:
يمكن للرئيس أن يقرأَ الصحف كلَّ يوم، ومع ذلك لا يعرف حقيقة ما يحدث في بلده.
كيف؟
إذا كانت الصحف كلَّها تقول الشيء نفسه، وإذا كان الصحفي يعرف مسبقًا حدود المسموح، وإذا كان الخوف يمنع المعلومات غير المريحة من الصعود إلى السطح، فإنَّ كثرة القراءة لا تعني بالضرورة كثرة المعرفة.
يمكن أن يقرأَ الرئيس عشر صحف، لكنَّه في النهاية يقرأ الرواية نفسها عشر مرّات.
الأمر نفسه يظهر بصورة مختلفة في تجارب الرؤساء الأمريكيين.
باراك أوباما تحدَّث عن قراءته لكُتّاب الأعمدة في الصحف الكبرى، وعن رغبته في معرفة الحجج التي يقدِّمها المحافظون، وليس فقط تلك التي تتفق مع موقفه.
وهذا تفصيل مهم للغاية.
فالمسألة ليست عدد المقالات التي قرأها، وإنَّما نوع الاختلاف الذي سمح له بالدخول إلى مكتبه.
في المقابل، ارتبط دونالد ترامب بعادة مختلفة في التعامل مع المواد الإعلامية؛ إذ يُعرف باهتمامه الكبير بما تنشره الصحف عنه شخصيًا، وبميله إلى المواد المختصرة والنقاط المباشرة بدل التقارير الطويلة.
كلا الرئيسين يتابع الإعلام، لكنَّ متابعة الإعلام لا تعني بالضرورة الشيء نفسه معرفيًا. الأوَّل يريد أن يعرفَ ماذا يقول خصومه. والثاني أكثر اهتمامًا بما يُقال عنه. والفارق بين الاثنين ليس في عدد الصحف، بل في وظيفة القراءة.
أظنُّ أنَّ القراءة وحدها لا تكفي.
قد يكون الرئيس قارئًا نهمًا، لكنَّه يختار بعناية شديدة ما يقرأه، فلا يرى إلا ما ينسجم مع أفكاره.
وقد يكون قليل القراءة، لكنَّه يحيط نفسه بأشخاص أذكياء، ويطرح عليهم أسئلة مهمة، ويطلب منهم أن يخالفوه.
ومن هنا فإنَّ السؤال الأهم ليس: كم صحيفةً تصل إلى مكتبِ الرئيس؟ بل ما الذي يفعله الرئيس بما يصل إليه؟
هل يصدّق ما يقرأ؟ هل يشكّك؟ هل يسأل؟ هل يقارن؟ هل يبحث عن مصدر آخر؟ هل يطلب الرأي المعاكس؟ هل يغير رأيه أحيانًا؟
هذه الأسئلة أهم بكثير من صورة الرئيس وهو يمسك صحيفة أمام الكاميرات.
أرى أنَّ كثيراً من الرؤساء والملوك يحيطون أنفسهم بالمستشارين. وهذا أمر مفهوم، إذ لا يمكن لرئيس دولة أن يقرأ كلَّ شيء أو يعرف كلَّ شيء. فأمام الرئيس ملفّات أمنية واقتصادية وسياسية وعسكرية، ولديه اجتماعات وقرارات وأزمات لا تنتهي. لذلك يحتاج إلى مستشارين، لكنَّ المستشار الجيد لا ينبغي أن يكون مجرَّد شخص يخبر الرئيس بما يريد سماعه.
ربما تكون وظيفته الحقيقية أن يقول له أحيانًا: »أنت مخطئ«!
وهذه من أصعب الوظائف في السُّلطة، لأنَّ المستشار الذي يعتمد مستقبله المهني على رضا الحاكم قد يتعلَّم بسرعة ما الذي يحبه الحاكم، وما الذي يزعجه، وما الذي ينبغي ألا يقوله. وهكذا يتحوَّل المستشار، من دون أن يشعر، من مصدرِ معرفةٍ إلى جزءٍ من نظام حجب المعرفة.
قد يبدأ الأمر بحسن نية: «دعني أختصر له التقرير«.
ثمَّ: «هذه الصحيفة معادية«.
ثمَّ: «هذا الكاتب معروف بمواقفه«.
وفي النهاية لا يصل إلى الحاكم إلا ما يعتقد المحيطون به أنَّه مناسب له.
وهنا يمكن أن تصبح كثرة المستشارين مشكلة، لا حلًا.
لطالما راودتني هذه الأسئلة:
مَن هم الكُتّاب والصحفيين الذين يعرفهم رئيس الوزراء بالاسم؟
أي مقال أغضبه؟
أي مقال أعجبه؟
أيَّة فكرة قرأها ثم غيّر بسببها موقفًا؟
في الحقيقة، لا نعرف الكثير عن هذه التفاصيل في العالم العربي، لأنَّ الحياة اليومية للقادة أقل توثيقًا مما ينبغي.
نعرف أنَّهم التقوا صحفيين.
نسمع أنَّهم استقبلوا رؤساء تحرير.
نعرف أنَّ صحفًا تصل إلى مكاتبهم.
نعرف أنَّ لديهم مستشارين.
لكنَّنا نعرف أقل بكثير عن عادات القراءة الشخصية لهؤلاء الرؤساء.
وهذا نقص في معرفتنا بالحاكم نفسه.
فربما يكون أحد الرؤساء قارئًا نهمًا، أو أنَّه لا يقرأ إلا التقارير المختصرة.
وربما يكون شغوفًا بالتاريخ والأدب ولا يهتم كثيرًا بالصحافة؛ أو ربما يكون شديد الاهتمام بما تكتبه الصحافة المعارضة تحديدًا.
مَن يدري؟
أو ربما يجلس ويحتسي الشاي طوال النهار، يتحسَّس كرشه، ويستمع إلى النُّكات من مستشاريه!
لو أردتُ أن أضع اختبارًا بسيطًا لمعرفة ما إذا كان الحاكم يعيش في عالم مفتوح معرفيًا أم مغلق، فلن أسأله كم صحيفةً يقرأ.
سأسأله ثلاثة أسئلة فقط:
هل يقرأ ملخّصات ما تقوله الصحافة؟
هل يقرأ بنفسه بعض المقالات والتحقيقات المهمة كاملة؟
والأهم: هل يقرأ أيضًا ما يخالف موقفه؟
سؤال آخر: هل يستطيع أحد أن يفاجئ الرئيس بمعلومة لا يعرفها؟
إذا كانت الإجابة «نعم»، فهذه علامة صحية.
أما إذا كان كلُّ شخصٍ يدخل مكتب الرئيس يعرف مسبقًا ما الذي يحبُّ أن يسمعه، وكلُّ تقرير مكتوب بلغة مطمئنة، وكلُّ صحيفة مخالفة توصف بأنَّها «معادية»، وكلُّ مستشار يتجنب إغضابه، فقد يعيش الرئيس داخل عالم مغلق، حتى لو كانت أمامه مئات التقارير والصحف.
هناك رئيس يقرأ العالم.
وهناك رئيس يقرأ ما يُسمح له أن يراه عن العالم.
والفارق بين الاثنين أكبر من الفارق بين الرئيس القارئ والرئيس غير القارئ.
ولكن هل تساءل أحدكم: ماذا نعرف عن رؤسائنا فعلًا؟
لا أحد يعرف على وجه الدقة ماذا يقرأ كلُّ رئيسٍ عربي في صباح يوم عادي.
وربما لن نعرف.
فالتفاصيل الصغيرة للحياة اليومية في مكاتبِ الرؤساء نادرًا ما تصل إلى عامَّة الناس، لكنَّ هذه التفاصيل الصغيرة قد تكون أكثر أهمية مما نتصوَّر.
فحين يجلس الرئيس أمام مكتبه صباحًا، ويفتح ملفًا أو صحيفة أو كتابًا، فهو لا يختار مادة للقراءة فقط. إنَّه يختار، بطريقة ما، أي عالم سيدخل إليه.
هل سيدخل عالم الأرقام والتقارير الرسمية؟
أم عالم الصحافة؟
أم عالم الاستخبارات؟
أم عالم المواطنين الغلابه؟
أم عالم معارضيه؟
وربما يكون السؤال الأهم:
هل يصل إليه المجتمع كما هو، أم كما يصفه له الذين يقفون بينه وبين المجتمع؟
لهذا أعتقد أنَّ السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه هو:
»هل يصل ما نكتب إليهم كما كتبناه«؟
قد يقرأ الرئيس المقال.
وقد لا يقرأه.
وقد يقرأه مستشاره.
وقد يقرأ المستشار العنوان فقط.
وقد يصل إلى الرئيس في ثلاثة أسطر.
لكن حتى لو وصل كاملًا، يبقى سؤال آخر:
ماذا يحدث داخل مكتب الرئيس بعد القراءة؟
هل يغضب؟
هل يبتسم؟
هل يتصل بالكاتب؟
هل يستدعي وزيرًا؟
هل يغير قرارًا؟
أم يقلب الصفحة وينتقل إلى الخبر التالي؟
ربما لهذا السبب لا تكمن أهمية القراءة في أنَّ الرئيس يعرف كلَّ شيء.
لا أحد يستطيع أن يعرف كلَّ شيء.
أهميتها في أن يكون الرئيس مستعدًا لمعرفة ما لا يريد أن يعرفه.
فالرئيس الذي لا يقرأ قد يعيش في جهل، لكنَّ الرئيس الذي يقرأ فقط ما يؤكّد أفكاره قد يعيش في جهل مطبق. وهذا، ربما، أخطر.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي