مقالات ادبية واجتماعية وفنية
مشتاق كارلو
كاتب | عراقي
في العراق تحولت كلمة النضال عند البعض من رمز للتضحية ومقاومة الظلم إلى وسيلة للوصول إلى السلطة والمناصب والامتيازات. وحين يصل صاحب الخطاب النضالي إلى موقع القرار يبدأ الاختبار الحقيقي: هل كان نضاله من أجل المواطن أم من أجل امتلاك حصة في الدولة؟
النضال الحقيقي ليس راتبا أو منصبا أو حصة حزبية، ولا يمنح صاحبه حصانة من النقد والمحاسبة. نحترم تاريخ من ناضل، لكننا نحاسب أداءه عندما يصبح مسؤولا. فالتاريخ يحترم، أما الحاضر فيحاسب.
المشكلة أن المواطن العراقي لم يدفع ثمن الفساد والمحاصصة في شكل أرقام مجردة، بل دفعه من حياته اليومية. عندما تتعطل معاملة في دائرة حكومية لأن الموظف ينتظر رشوة، فهذه ليست مخالفة صغيرة، بل إهانة لحق المواطن. وعندما يضطر المريض إلى شراء الدواء من صيدلية خاصة لأن المستشفى الحكومي يفتقر إلى الأدوية، فهذه نتيجة مباشرة لسوء الإدارة وهدر المال العام. وعندما يتخرج الشاب من الجامعة ثم يجد الوظيفة محجوزة لمن يملك واسطة حزبية، فإن المحاصصة تكون قد سرقت منه سنوات الدراسة وفرصة بناء مستقبله.
الفساد لا يظهر فقط في الصفقات الكبيرة التي تتحدث عنها التقارير، بل يظهر أيضا في شارع لا يعبد رغم تخصيص الأموال له، وفي مشروع ماء يتوقف بعد أشهر من افتتاحه، وفي مدرسة مكتظة يدرس طلابها في صفوف متهالكة، وفي مستشفى يفتقر إلى الأجهزة، بينما تعلن مشاريع جديدة لا تكتمل. المواطن يرى هذه النتائج كل يوم، ولذلك لم يعد يقتنع بالخطابات التي تتحدث عن التضحيات من دون أن تشرح أين ذهبت الموازنات ولماذا بقيت الخدمات متراجعة.
المحاصصة لا تعني فقط توزيع المناصب بين الأحزاب، بل تعني أن يصبح معيار التعيين هو الانتماء لا الكفاءة، وأن تدار المؤسسة على أساس الولاء لا القانون. نتيجتها أن يتولى غير المختص إدارة قطاع حساس، وأن تتعطل القرارات لأن كل حزب يحمي حصته، وأن يشعر الموظف الكفوء بأن ترقيته مرتبطة بعلاقته السياسية لا بإنجازه. وفي النهاية يدفع المواطن الثمن عندما يراجع مؤسسة لا تعمل بكفاءة، أو ينتظر مشروعا يتأخر بسبب الصراع على العقود والنفوذ.
النضال لا ينتهي عند الوصول إلى السلطة، بل يبدأ حين يصبح الإنسان قادرا على تغيير حياة الناس. عندها تظهر الحقيقة: هل كان النضال قضية وطنية أم طريقا نحو المكاسب؟ فمن ناضل من أجل الفقراء لا يمكن أن يقبل ببقاء عائلة فقيرة بلا كهرباء أو ماء صالح للشرب، ومن ناضل من أجل العدالة لا يجوز أن يسكت عن تعيينات تقوم على الواسطة، ومن حارب الاستبداد لا يحق له أن يستخدم نفوذه لإسكات الصحفيين أو تخويف المعارضين.
المواطن لا يعيش على الذكريات والشعارات، بل يريد دولة حقيقية وخدمات جيدة وفرص عمل وقانونا يحميه. يريد أن يعرف لماذا تصرف مليارات الدولارات على مشاريع لا يرى أثرها، ولماذا تبقى المستشفيات والمدارس والطرق في حال متردية، ولماذا تتكرر الوعود نفسها في كل موسم انتخابي من دون نتائج ملموسة. يريد أن يفهم كيف تتحول الثروة النفطية إلى موازنات ضخمة، بينما يعجز كثير من المواطنين عن الحصول على علاج أو وظيفة أو سكن مناسب.
لقد ناضلتم، لكن النضال يقاس بما تفعلونه بعد امتلاك القرار، لا بما تروونه عن الماضي. ومن ناضل من أجل الحرية يجب أن يقبل بحرية الناس في محاسبته، ومن حارب الاستبداد لا يجوز أن يصنع استبدادا جديدا داخل الحزب أو الوزارة أو المؤسسة. ومن يطالب الناس باحترام تضحياته عليه أن يحترم عقولهم، وألا يستخدم الماضي لإغلاق باب الأسئلة عن الحاضر.
أكبر إساءة للنضال هي تحويله إلى تجارة وغطاء للفشل والفساد. فحين تستخدم التضحيات لتبرير سوء الإدارة أو تستعمل المظلومية لمنع التحقيق أو تتحول المناصب إلى مكافآت حزبية، يصبح النضال مجرد شعار منفصل عن قيمه. الشهيد لا يمكن أن يكون غطاء لعقد فاسد، والسجين السياسي لا يمكن أن يكون مبررا لإهدار المال العام، وتاريخ المعارضة لا يمنح أحدا حق امتلاك الدولة.
العراق لا يحتاج إلى من يكرر تضحياته، بل إلى من يثبت ماذا قدم للمواطن وبنى للدولة بعد وصوله إلى السلطة. يحتاج إلى مسؤول يعلن تفاصيل العقود ويقبل التدقيق ويحاسب المقصرين ويضع الكفاءة فوق الولاء ويقيس نجاحه بعدد المدارس التي أنجزت والمستشفيات التي تحسنت والوظائف التي أتيحت بعدالة والمشاريع التي خدمت الناس فعلا، لا بعدد الشعارات التي رفعها.
فإما أن يكون النضال موقفا مستمرا من أجل المواطن والعدالة والحرية، أو أنه لم يكن سوى طريق طويل نحو استلام الاستحقاق. أما الاستحقاق الحقيقي فهو أن يحصل المواطن على دولة تحميه وخدمة تليق به وفرصة لا تتوقف على واسطة وقانون لا يميز بين صاحب نفوذ وإنسان بسيط.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي