loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

امرأة العشق الإلهي: الصوفية المنسية (عائشة الباعونية)

breakLine
2026-09-15

 سحر حسب الله عبد 
كاتبة | عراقية

 

 

كان مشهد التأليف الديني والأدبي الصوفي والفقهي في دمشق والقاهرة خلال أواخر القرن التاسع الهجري وبدايات القرن العاشر، يمثل مجرة معرفية يدور أغلب ألقها في أروقة العلماء والفقهاء من الرجال، ففي ظلال الدولة المملوكية وهي تتهيأ لأفولها التاريخي أمام التمدد العثماني، كانت المدارس الكبرى والمناصب المعرفية محكومة بسياق اجتماعي يجعل حضور النساء في ميدان التأليف المستقل أقل ظهورًا وأضيق مجالًا من حضور الرجال، غير أن خزائن المخطوطات القديمة وفي مقدمتها خزانة المكتبة الظاهرية بدمشق ودار الكتب المصرية بالقاهرة، فضلاً عن أمهات كتب التراجم والسير التاريخية، تحفظ لنا حقيقة استثنائية لم تكن مجرد حادثة عابرة أو نادرة يُكتفى بتسجيلها في هامش الطرائف، امرأة لم تقف عند حدود السماع من وراء حجاب أو التعبد المنزلي، بل أمسكت بالقلم وألّفت المصنفات الصوفية ونظمت الدواوين الشعرية المطولة ورحلت في آفاق الشام ومصر ولقيت أعيان عصرها وسلاطينه.
تلك هي عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الباعونية المتوفاة سنة 922 هـ / 1516 م، لم تكن الباعونية ظاهرة طارئة أو حدثًا استثنائيًا منفصلًا عن سياقه في التاريخ الروحي للإسلام، بل كانت إحدى أكثر صور الخطاب الروحي نضجًا وتكاملًا، حيث استطاعت أن تحول فعل الكتابة من تدوين محايد إلى معراج روحي، وأن تجعل من العشق الإلهي والمحبة المحمدية بساطًا تعبر به ذاتها إلى مجالس العلم والمعرفة.
إن أهمية الباعونية لا تكمن فقط في كونها امرأة كتبت في عصر قلّ فيه تصنيف النساء، بل في طبيعة الوعي والمعرفة اللذين أدارت بهما تجربتها العلمية والروحية؛ فلم تكن تكتب لتعبر عن شجن وجداني عابر، بل كانت تتخذ من المحبرة والقرطاس سبيلاً لإشراقها الروحي وتشييد أثر يبقي اسمها حاضراً في مدونات العلم وهنا تنكشف الأطروحة المركزية في تجربتها، لم تكن عائشة الباعونية امرأة تكتب عن العشق الإلهي فحسب، بل جعلت من فعل الكتابة نفسه مقاماً من مقامات العشق.
تنتمي عائشة إلى بيت علم وقضاء وأدب عريق ومكين، فنسبتها ترجع إلى قرية باعون في نواحي عجلون بشرق الأردن، قبل أن تنتقل العائلة وتستقر في حارة الصالحية بدمشق وتتوسع صلاتها بالقاهرة. 
هذا البيت الباعوني لم يكن مجرد مأوى عائلي، بل كان بيئة معرفية حاضنة تخرّج فيها القضاة والشعراء والفقهاء وتداول أفرادها مناصب الخطابة والتدريس والتأليف في الجامع الأموي والمدارس الدمشقية الكبرى، في هذا الفضاء المحفوف بالكتب والمناظرات ومجالس المدارسة تلقت عائشة تكوينها الأول ورعايتها المعرفية. فحفظت القرآن الكريم وهي في سن الثامنة، وتلقت العلوم الشرعية والأدبية واللغوية على يد أعيان عصرها وشيوخ بيتها، وقد ترجم لها كبار مؤرخي العصر المملوكي وبدايات العصر العثماني، مثل الحافظ السخاوي في الضوء اللامع، وابن إياس في بدائع الزهور، ونجم الدين الغزي في الكواكب السائرة، موثقين بلوغها مرتبة علمية رفيعة وأخذها عن كبار علماء زمانها وتصديرها للأخذ عنها.
ولفهم المفصل الأكثر أهمية في نشأة الباعونية وتكوينها، يجدر التمييز بين تقاليد العلم النسائي الشائعة في ذلك العصر وتجربتها التأليفية الخاصة. 
لقد شهد العصر المملوكي حضورًا لافتًا لعالمات ومحدثات شاركن بفعالية في رواية الحديث ونقل الأسانيد، حيث كان الشيوخ والطلاب يرحلون إليهن لسماع العالي من الأسانيد والتبرك برواياتهن، كفاطمة بنت الجزرية أو عائشة بنت ابن حجر العسقلاني، لكن الباعونية أضافت إلى جلال الرواية والنقل سعة التأليف والإنتاج الأدبي المستقل، فلم يقتصر إنتاجها على نقل المرويات وحفظ الأسانيد، بل امتد إلى التدوين المكتوب والتصنيف والابتكار الشعري. لقد أدركت بحسها الروحي أن الرواية الشفاهية والنقل يظلان محكومين بحدود المجلس واللحظة والجسد الفاني، وأن السلاح الذي يمنح الفكر ديمومته وأثره المتجاوز لزمانه إنما هو الحبر والقرطاس.
ومن هنا صبت طاقتها في امتلاك أدوات اللسان، وعلوم العروض، والبلاغة، والفقه، والتوحيد، لتصوغ نصوصاً تصدر باسمها وتحمل صوتها المعرفي الخالص.
وعند سبر أغوار التاريخ الروحي للإسلام يبرز تباين بنيوي وعميق بين تجربة عائشة الباعونية وتجربة رائدة التصوف الأنثوي الأولى رابعة العدوية المتوفاة سنة 185 هـ، إن المقارنة بين التجربتين لا تهدف إلى التفضيل المفاضل أو التقليل من مكانتهما، بل إلى تفكيك التحول التاريخي والمعرفي الذي طرأ على أشكال الخطاب الروحي عبر القرون، فرابعة تمثل تجربة روحية شفاهية انسكبت في الذاكرة الصوفية المبكرة ونُقلت أحوالها وأقوالها ومواقفها عبر روايات السير وسير العباد، كما دونها عطار في تذكرة الأولياء وابن الجوزي في صفة الصفوة دون أن تترك كتاباً مدوناً أو ديواناً جمّعته بنفسها. 
أما عائشة الباعونية فتمثل التجربة الروحية حين امتلكت أدوات الكتابة والتصنيف والشعر، وتركت نصوصاً تدون مواجيدها وتحمل صوت صاحبتها مباشرة، لقد جاءت عائشة بعد قرون من مأسسة التصوف واستقراره كعلم مدوّن له اصطلاحاته، ومقاماته، ومدارسه، وتقاطعاته الأدبية مع نصوص ابن عربي، وابن الفارض، والإمام البوصيري. 
لم تعد التجربة الروحية معها مواجيد شفاهية فحسب، بل أضحت صياغة متقنة في المعرفة والجمال، تصنف الكُتب، وتضع الشروح، وتصوغ المنظومات، وتزن نصوصها الشعرية على البحور الخليلية، وتضمن قصائدها أرق علوم البلاغة، إن عائشة لم تطفئ وجد الروح أو تركن إلى الجفاف، بل طوعت المعرفة واللغة لتكون مركباً لهذا الوجد، فغدا العشق الإلهي لديها نسيجاً مكتوباً يتقاطع فيه الأثر الشرعي مع الذوق الأدبي الراقي.
ويتجلى هذا الخطاب التأليفي في مصنفاتها المتنوعة التي جمعت فيها بين النثر والنظم، وبين التصوف والبلاغة والفكر الروحي، ومن أبرز مؤلفاتها كتابها الشهير "المنتخب في أصول الرتب" وهو كتاب نثر صوفي تناولت فيه منازل السلوك الصوفي ومقاماته، معتمدة على تقسيم محكم لمقامات الطريق الكبرى التي تدور حول التوبة، الإخلاص، الذكر، والمحبة.
وفي هذا النص النثري تظهر الباعونية كمفكرة روحية تصنف وتستشهد بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية وأقوال أكابر العارفين وتبين شروط كل مقام وآفاته وطرق التحقق به، لتؤكد أن فعل الكتابة لديها لم يكن مجرد نقل للخبر بل كان مكابدة وإشراقاً وسبيلاً للتحقق بالقرب.
أما في مجال النظم والشعر فقد بلغت الباعونية شأواً بعيداً وأنتجت دواوين وقصائد مطولة تُعد من عيون الأدب المملوكي، ويأتي في مقدمة آثارها الشعرية ديوانها "فيض الفضل وجمع الشمل" وكتابها "الفتح المبين في مدح الأمين" والمعروف بـ "البديعية وشرحها" البديعية هي قصيدة مطولة في مديح النبي عليه الصلاة والسلام واعتمدت فيها على تضمين أبياتها الأنواع البديعية والبلاغية سائرة في ذلك على طريقة الشعراء الكبار كصفي الدين الحلي وابن جابر الأندلسي.
تفتتح عائشة الباعونية بديعيتها بمطلع شعري يفيض رقة وصنعة، حيث تقول:
لي في فؤادي غرامٌ غيرُ منصرفِ... وحَبَّذا أملٌ في غيرِ منقَطِفِ، وكان المديح النبوي والبديع البلاغي في تجربتها فضاءً أتاح لها أن تجمع بين التجربة الروحية والبيان الأدبي المألوف في عصرها حيث منح هذا النمط الأدبي نصها قبولاً واسعاً وانشراحاً في بيئة ثقافية تحتفي بالثقافة النبوية والبديع البلاغي.
فاستخدام عائشة للبديع والتصنيع اللغوي لم يكن مجرد استعراض مهارة شكلي، بل كان أداتها البلاغية التي سادت في عصرها وأتاحت لخطابها التداول والتأثير بين علماء وقراء زمانها فبثت من خلاله أفكارها في الحب الصوفي، والشوق، والقرب.
ولم تكن عائشة امرأة حبيسة الجدران أو منقطعة عن مجريات الحياة بل إن حياتها الشخصية ورحلاتها تشهد على حركة اجتماعية وثقافية بارزة، فقد تزوجت وأنجبت وكان ابنها عبد الرحمن يرافقها في بعض أسفارها ويساعد في تدوين نصوصها ونسخها، وفي عام 919 هـ 1513 م قامت برحلة تاريخية مهمة من دمشق إلى القاهرة التي كانت عاصمة السلطنة المملوكية ومحط أنظار العلماء والأدباء. وأثناء الطريق وبالقرب من مدينة غزة تعرضت القافلة التي كانت فيها لهجوم من قُطّاع الطريق، حيث سُلبت أمتعتها وبعض مخطوطاتها غير أن هذه الحادثة العصيبة لم تثنِ عزيمتها، بل تابعت رحلتها بثبات إلى القاهرة ودخلت أروقتها العلمية وعقدت الصلات مع كبار علمائها، ومثلت بين يدي السلطان المملوكي الأشرف قانصوه الغوري وحين علم السلطان والعلماء بمكانتها العلمية وما جرى لها في الطريق حظيت بإكرام وافر وتكريم رسمي. 
إن هذه الواقعة التاريخية الموثقة في المصادر المعاصرة كبدائع الزهور لابن إياس تشير إلى أن المكانة العلمية والروحية التي حازتها عائشة عبر حبرها وكتاباتها قد منحتها حضوراً اجتماعيًا واحتراماً رسمياً تجاوز النظرة التقليدية لأدوار النساء في ذلك العصر.
ومع هذا النتاج الغزير خفت حضور عائشة الباعونية في الذاكرة الأدبية اللاحقة لقرون لا لضعف في أدبها، بل لتضافر ظروف تاريخية ونقدية متداخلة، فعقب أفول الدولة المملوكية ومع تحولات المجال الثقافي في القرون اللاحقة، ظلت معظم مصنفات ذلك العصر حبيسة المخطوطات يُضاف إلى ذلك أن نقاد النهضة العربية في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين أطلقوا أحكاماً عامة قاسية على أدب العصر المملوكي برمته، واعتبروا لغة المحسنات البديعية أدباً متكلفاً. فدُفنت دواوين ذلك العصر ومخطوطاته عقوداً طويلة في ظلام الإهمال دون تمييز كافٍ بين مستوياتها الفنية.
ولم يرتفع هذا الغبن التاريخي عن عائشة الباعونية إلا في العقود الأخيرة، بفضل المشاريع التحقيقية والأكاديمية الحديثة، حيث برزت أبحاث وتحقيقات جادة تناولت دواوينها ومصنفاتها، ونقلت أجزاء منها إلى اللغات الأجنبية كما في أعمال الباحث ثوماس إميلي هومرين. 
وقد أظهرت هذه الدراسات أن الباعونية تقف في موقع فريد بين النساء المؤلفات في التاريخ الإسلامي، وأن نصوصها تملك قيمة فنية وفكرية مستقلة تجمع بين جودة السبك وعمق التجربة الروحية.
إن قراءة عائشة الباعونية اليوم تصحبنا في رحلة امرأة لم ترضَ أن تكون صداً لزمانها، بل أورقت المحبرة بين يديها نهراً من النور والبيان أثبتت به أن الروح حين تفيض بالمعرفة لا يحدها زمن لتظل تجربتها الحية أثراً يهمس عبر القرون بامرأة جعلت من الكتابة طريقاً إلى العشق، ومن العشق طريقاً إلى البقاء…

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي