مقالات ادبية واجتماعية وفنية
مشتاق كارلو |كاتب عراقي
ليس المواطن العراقي من حرّك سعر الدولار، وليس هو من صنع العجز، وليس هو من بدّد المال العام، وليس هو من صنع ملفات الفساد والهدر والمشاريع المتلكئة. ومع ذلك، فهو أول من يُطلب منه دفع الثمن.
الدولار يصعد، والدينار يتراجع، والراتب يتآكل، والأسعار تستعد للانفلات. هكذا تفتح الأزمة على المواطن من أوسع أبوابها.
152 ألف دينار لكل 100 دولار. رقم يبدو للوهلة الأولى مجرد سعر صرف، لكنه في حياة العراقي يعني شيئاً آخر تماماً. يعني أن الراتب نفسه أصبح أضعف. يعني أن الدخل نفسه يشتري أقل. يعني أن رب الأسرة الذي كان يحسب مصروفه بالدينار أصبح مضطراً لمواجهة سوق تتحرك كلفته مع الدولار. يعني أن الفقير الذي كان يحسب ألف دينار قبل شراء أي شيء أصبح مضطراً لحسابها مرتين.
تعتبر هذه معركة معيشة. والأشد قسوة أن المواطن لا يملك أي وسيلة للدفاع عن نفسه أمام هذه الموجة. راتبه لا يرتفع مع الدولار. مدخراته، إن وجدت، لا تكفي. وقدرته الشرائية تتراجع. بينما السوق لا ينتظر أحداً.
كل شيء يمكن أن يرتفع. الغذاء. الدواء. الملابس. قطع الغيار. المواد المستوردة. الخدمات المرتبطة بكلفة الاستيراد. ثم تأتي الفاتورة إلى المواطن في نهاية السلسلة.
هذه أصبحت المعادلة الأسهل في العراق. وحين تضيق الدولة مالياً، يصبح المواطن هو الحلقة التي يمكن الضغط عليها. وحين تحتاج الدولة إلى معالجة اقتصادية، يصبح راتب المواطن مساحة مفتوحة للتأثير. وحين ترتفع الأسعار، يقال للسوق إنه يتحرك. لكن عندما ينخفض دخل المواطن، لا يتحرك أحد.
ليس من المقبول أن تُدار الأزمات من جيب الموظف. وليس من المقبول أن يدفع المتقاعد ثمن أزمة مالية لم يصنعها. وليس من المقبول أن يدفع العامل محدود الدخل فاتورة قرارات لا يملك التأثير عليها.
العراق بلد غني بالثروات. لكن المواطن يريد أن يرى أثر هذه الثروة في حياته. يريد راتباً يحميه من السوق. يريد أسعارًا لا تلتهم دخله. يريد دولة تحاسب الهدر قبل أن تطلب منه التحمل. يريد أن يرى المال العام محمياً قبل أن يطلب منه حماية ميزانية الدولة من راتبه.
إذا كانت هناك أزمة مالية، فلماذا لا تُفتح ملفاتها كاملة؟ أما أن يصبح المواطن هو البديل الأسهل عن كل هذه المعالجات، فهذا يعني نقل كلفة الأزمة من الدولة إلى الناس. وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث للقوة الشرائية للمجتمع.
المواطن العراقي صبر كثيراً. يحتاج إلى حماية حقيقية. فالمواطن الذي ينفق معظم راتبه على الغذاء والسكن والنقل والدواء، لا يستطيع أن يتعامل مع انخفاض قيمة الدينار كأنه رقم في نشرة اقتصادية.
بعد رفع سعر صرف الدولار، أصبح دواء أصعب. فاتورة أكبر. وحياة أكثر قسوة. والمعادلة تصبح أكثر خطورة كلما اتسعت الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والسوق الموازية…
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي