مقالات ادبية واجتماعية وفنية
سحر حسب الله عبد
كاتبة | عراقية
يتطلب الأمر مقادير هائلة من الوقاحة الفكرية كي يجلس مرءٌ في أواخر القرن العشرين أو بدايات القرن الحادي والعشرين، ليدعي أن كائنًا أرضياً يرتدي نظارات سميكة ويقتني أحذية خفيفة من القماش كي يستطيع أن يحب امرأة واحدة لمدّة ثلاثة وخمسين عامًا وسبعة أشهر وأحد عشر يومًا ولياليها، ولكن غابرييل غارسيا ماركيز بابتسامته الشيطانية الخبيثة وشواربه التي تشبه خوادم القرون الوسطى لم يكن يعنيه حقًا أن يكتب قصة حب ملحمية ترفعها العجائز في المجموعات الدينية بوصفها دليلاً على إمكانية الخلود العاطفي بل كان يتسلى بدهاء كاريبي ناضج بتشريح أضخم وأعظم وهم شيدته البشرية منذ إحراق أسطورة طروادة: وهم المعنى العاطفي في عالم محكوم بالتعفن البيولوجي والعبث المطلق.
إن قراءة "الحب في زمن الكوليرا" بوصفها أيقونة للوفاء العذري ليست سوى سذاجة قرائية تليق بطلاب المدارس المتوسطة الذين يكتبون إهداءات غرامية على طاولات الخشب الخشنة، هذه الرواية في جوهرها الخفي هي مانيفستو ساخر شديد الظلمة عن القبح الإنساني، وعن الهوس الذي يرتدي قناع النبل، وعن البشاعة التي تعيد إنتاج نفسها تحت غطاء الفن.
إننا لا ننظر إلى عاشق ملحمي في شخصية فلورينتينو أريسا بل ننظر إلى حالة مستعصية من السلوك التكراري المرضي؛ حالة نكوص نفسي متقدمة استطاعت بدهاء أن تحول العجز عن مواجهة الحياة الواقعية إلى استعراض فلكلوري طوال أكثر من نصف قرن.
يبدأ العبث من تلك اللحظة التافهة التي يُبنى عليها هذا الصرح الهائل من الألم ، فتاة ذات شعر أبلق واسم يتكون من إيقاع شجي "فيرمينا داسا" تمر في الحديقة وتلقي نظرة عابرة فيتلقفها العقل البشري المأزوم، ذلك العقل الذي يرفض أن يعترف بأن الكون صامت وأعمى ولا يكترث بأحد، ويصنع منها صنمًا أسطوريًا هنا تبدأ الملهاة السوداء، رجل يقضي حياته في كتابة رسائل تفوح منها رائحة الباذنجان المفروم والورق العفن، ويمضغ عذابه كما يمضغ كلب جائع عظمًا جافًا في حين أن المرأة المعنية لم تكن تشعر به سوى كأحد أثاث الشارع شأنه شأن صندوق البريد القديم أو عمود النور الذي تبول عليه الكلاب الشاردة.
تأملوا معي البنية الوجودية لهذا الوفاء المزعوم الذي يمتد لخمسة عقود، كيف يمارس هذا العاشق النبيل طقوس إخلاصه لامرأة أغلقت الباب في وجهه بوحشية؟ يمارسه عبر النوم مع ستمائة واثنتين وعشرين امرأة وتسجيل أسمائهن وتفاصيل أجسادهن ودقائق أهوائهن في دفاتر سرية صغيرة ذات غلاف جلدي، وكأنه محصل ضريبي يجمع الفواتير المستحقة لحساب هيئة الأوقاف العاطفية! إنها لعمري أعظم نكتة فلسفية كتبها أديب في التاريخ الحديث: أن يمارس الرجل البغاء الروحي والجسدي مع مدينة كاملة من النساء من الأرامل المحرومات إلى العذارى والمصابات بالجنون، كل ذلك تحت لافتة التدريب الاحتياطي كي يبقى جاهزاً بدنه بالخبرة الكافية عندما تحن اللحظة المقدسة وتتفرغ له أرملة الدكتور جوفينال، لو أن هذا السلوك عُرض على أي طبيب نفساني معاصر لا يبتسم لافتارات الأدب لقام فورًا بتصنيفه كحالة اعتلال نفسي خطيرة تجمع بين التثبيت العاطفي النرجسي وبين الاستغلال المجاني والأنانية المفرطة مع توصية بوضعه تحت الحراسة لئلا يضر بنفسه أو بالمجتمع لكن السحر السردي لماركيز جعل القراء يذرفون الدموع الحارة على هذا المسكين الذي ضحى شبابه في انتظار الحبيب!
إن العظمة الحقيقية في النص لا تكمن في قصة الحب بل في تلك المعادلة الصارمة بين الكوليرا كجائحة تنفث الإسهال والقيء وتقذف بالبشر إلى جحيم المقابر الجماعية، وبين الحب كحالة استهلاك نسيجي للروح والجسد، لم تكن الأعراض التي يعاني منها فلورينتينو أريسا في بدايات شغفه من الارتعاش والتعرق البارد والاضطراب المعوق سوى الأعراض عينها التي تصيب ضحايا الوباء النهرية.
لقد ألغى ماركيز الحدود الفاصلة بين المرض البيولوجي والمشاعر السامية ليقول لنا بصوت مبحوح وساخر: إن ما تسمونه عشقًا خالد ليس سوى أذى عضوي آخر، خلل في الكيمياء الدماغية، طفح جلدي يصيب الروح ويجعل صاحبه يأتمر بأوامر التلف دون أن يدري.
وعلى الجانب الآخر من هذه المأساة يقف الدكتور جوفينال أوربينو ذلك الرجل الذي يمثل كل ما تتطلع إليه المدنية الحديثة من علم ونظام ونظافة وأناقة أوروبية أوربينو هو العقل الذي يحارب الكوليرا بالطب الوقائي وتجفيف المستنقعات والتطهير بالكلور، لكن هذا العقل النظيف الشديد البيروقراطية يحيا في جوهره داخل قفص من الخواء التام، زواجه من فيرمينا داسا لم يكن سوى صفقة اجتماعية مشيدة على الحسبة الباردة والأناقة الشكلية والسجاد الفاخر حيث تمر السنوات متتابعة كأيام الآحاد في المدن النائية:
مملة، رتيبة، خالية من أي بريق داخلي.
والمأساة هنا لا تكمن في فشل هذا الزواج بل في نجاحه الظاهري المدهش! لقد عاشا معًا عقودًا طويلة يتبادلان الصمت اللطيف وحساء الدجاج وملاحظات النظافة الشخصية في تجسيد مرعب لما يمكن أن يؤول إليه الوجود الإنساني حين يتحول إلى مجرد اعتاد على العيش المشترك.
ثم يأتي الموت، ذلك الناقد الأدبي الأكثر سخرية وقسوة من جميع النقاد، كيف ينهي ماركيز حياة هذا الطبيب الجليل الذي أنقذ المدينة من الأوبئة وخاض معارك العلم ضد الجهل؟
هل يموت في سجال طبي مجيد؟
هل يسقط وهو يعالج مريضًا بائسًا في أحياء القصدير؟
لا بل يسقط ميتًا فوق سلم بيته الخلفي وهو يحاول الإمساك ببغاء أحمق تعلم كيف يتكلم بلغة فرنسية ركيكة! هذه الموتة التراجيكوميدية الساخرة هي صفعة فلسفية موجعة على وجه العقلانية البشرية، إنها تقول بوضوح: مهما بلغت من العلم والنظام والسيطرة على مقدرات بيئتك فإن كبسولة حياتك برمتها قد تتحطم بسبب حركة غير متناسقة على سلم خردة وأنت تلاحق طائراً يتغوط على ثيابك الرسمية.
وبمجرد أن يوارى هذا الجسد العقلاني التراب وتستريح المدينة من خطاباته في المحافل الأدبية والموسيقية يخرج فلورينتينو أريسا من جحره كجرذ قديم تجمد في ظلال الزوايا لأكثر من نصف قرن.
يظهر في ليلة العزاء نفسها برائحته التي تشبه طعام الموتى المستورد وثيابه السوداء البالية التي تخفي جسدًا تآكل بالروماتيزم وتضخم البروستاتا ليعلن للقطة الهرمة الفيرمينا داسا أنه ما زال على عهده الأبدي! أي قسوة هذه؟ أي تجرد من الحياء الإنساني والذكاء العاطفي؟ لكنه يتصرف وفق منطق الوحش الصبور الذي انتظر طويلاً حتى تفسد الفريسة لكي يستطيع التهامها دون أن تتعب أسنانه الضعيفة.
تصل الملهاة الساخرة إلى ذروتها الفلسفية الأكثر سوادًا وإظلامًا، حين يخلو الحبيبان لبعضهما في النهاية لا نرى هنا بطلاً وبطلة يركضان نحو بعضهما في حقل من الأزهار كما تروج الروايات التجارية بل نرى عجوزين متجعدين تفوح منهما رائحة المراهم الطبية وعقاقير الملينات المعوية، ويسعل كل منهما بوجه الآخر في غرفة معتمة على متن سفينة نهرية تسمى "فيليت".
إن مشاهد الجنس والألفة بين هذين العجوزين في الأيام الأخيرة من الرواية ليست مشاهد شاعرية بل هي تشريح قاسٍ ورهيب للبشاعة البيولوجية والانهيار الجسدي، إنها تؤكد أن الزمن لم يربح المعركة فحسب بل إنه مسخ كل الشغف القديم إلى مجرد أشلاء من الذكريات المحنطة التي تحاول أن تجد دفئاً في أجساد تخشع فيها دقات القلوب وتتصلب فيها الشرايين.
والقرار الأخير بإشهار علامة الكوليرا تلك الراية الصفراء التي ترعب الموانئ وتمنع أيًا كان من الاقتراب على متن الباخرة النهرية، ليس قراراً بالتحرر الملحمي كما يحلو للبعض أن يفسره بل هو الإعلان النهائي للهزيمة الشاملة.
إن ماركيز يخبرنا بوضوح جراحي:
لا مكان لهذا النوع من الشغف المريض في الواقع البشري المعاش، كي يستمر هذا الوهم يجب أن يُعزل تمامًا عن العالم العياني، يجب أن يظل محبوسًا في قفص مطهر من الحقيقة، يسير صعودًا ونزولاً في نهر محتضر يطفو فيه الشجر الميت وتفوح منه زفرات المبال الجافة وجثث الماشية المنتفخة.
إن النهر في هذه الرواية ليس مجرد مجرى مائي بل هو شريان الزمن نفسه الذي تعرض للتلوث والدمار على أيدي البشر، الباخرة التي يقودها كابتن هرم يتبع أوامر عاشق مريض، تحولت إلى سفينة موتى حقيقية، تدور في حلقة مفرغة بلا مائي يصلون إليه ولا ميناء يقبل استقبالهم، وحين يسأل الكابتن ذلك السؤال الأخير المصيري: "وإلى متى تظن أننا نستطيع أن نمضي في هذا الذهاب والإياد الشرير؟"
ويجيب فلورينتينو أريسا بجملته المشهورة:
"إلى الأبد" فإن الجواب لا يعكس خلود الحب بل يعكس خلود العبث، وخلود العقاب الوجودي الذي ينفذه الإنسان بحق نفسه حين يرفض أن يكبر، ويرفض أن يموت، ويرفض أن يعترف بأن الفرص التي تضيع لا تعود أبداً.
هذا الحزن العميق المغلف بطبقات كثيفة من السخرية المرة هو الجوهر الفكري الذي يجعل من "الحب في زمن الكوليرا" دراسة مستفيضة في المأساة الإنسانية، إننا جمعيًا نملك جزءًا من فلورينتينو أريسا في داخلينا ذلك الجزء الذي يرفض مواجهة الحقيقة والذي يستعذب الألم ويبني منه قصورًا زجاجية هشة، ويمضي عمره يتسول الالتفاتات من الأشخاص الذين نسوا وجوده منذ زمن بعيد.
إننا نكذب على أنفسنا بالوفاء الصارم بينما نحن في الواقع نربط أرواحنا بسلاسل إلى أوهام قديمة، خوفًا من الخروج إلى الشمس ومواجهة الفراغ المهول الذي يلف وجودنا اليومي.
لقد استطاع ماركيز ببراعته التفكيكية أن يضعنا أمام مرآة مقعرة نرى فيها أنفسنا ونحن نلهث وراء سرايات أقمناها بأيدينا، إن السخرية تجرح لأنها صادقة، والحزن يثقل الصدر لأنه يجردنا من كل الملاذات الرمزية التي نلجأ إليها للتخفيف من حدة الرعب الوجودي.
الرواية تتركنا في النهاية على ذلك الشاطئ الملوث نستمع إلى أبواق السفينة الصفراء وهي تتلاشى في الضباب الكاريبي لنكتشف أن المرض الحقيقي لم يكن الكوليرا التي تحللها بطون الضحايا بل كان ذلك الإصرار الإنساني المضحك على تسمية الهوس بالحب، وعلى تحويل التحلل التنسيقي للجسد والروح إلى أنشودة نرددها في عتمة خيباتنا دون أن نجرؤ على النظر إلى الأسفل حيث تتغذى الديدان على خشب السفينة المتهالكة بنفس الهدوء الذي تتغذى به على أحلامنا الصغيرة.
إن التلقي البشري لهذا العمل يجب أن يتحرر من الوصاية الأخلاقية ومن القراءات التبجيلية السطحية، نحن بحاجة إلى شجاعة نقدية تعترف بأن الأدب العظيم ليس ذلك الذي يعطينا الأمل بل الذي يجردنا من أوهامنا ويتركنا عراة أمام الحقيقة.
ماركيز في هذا النص لم يكن شاهدًا على الحب بل كان مشرحًا جراحيًا يبقر بطن العاطفة الإنسانية ليررينا ما يوجد في داخلها من أمعاء متعفنة وبكتيريا طفيلية وأخلاط خبيثة تحتل المساحة نفسها التي زعم الشعراء يوماً أنها مقر للروح والنبل والخلود.
ومن هنا تكمن المرارة الفلسفية التي تصيب القارئ عقب الفراغ من هذه الصفحات الطويلة، المرارة من إدراك أن الزمن ليس محايدًا وأنه لا ينتظر أحدًا وأن أولئك الذين يقررون الوقوف على الرصيف انتظارًا لقطارات الماضي، لن يحصدوا في النهاية سوى غبار السكة وهدير المحركات المبتعدة.
فلورينتينو أريسا لم ينتصر في النهاية إنه أخذ جثة الموت العاطفي وطاف بها على ظهر سفينة معزولة محكومًا عليها بالإبحار الأبدي في نهر من الفضلات والتعفن، في معادل موضوعي بليغ للحياة التي ترفض أن تموت في وقتها المناسب، فتستحيل إلى كابوس طاعن في السن، يرفع راية صفراء خوفاً من أن يكتشف العالم الخارجي مدى الكارثة التي تتستر تحت قناع العاشق الخالد.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي