loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

اللغة والكتابة ومواقع التواصل وغياب المواكبة

breakLine
2026-10-27

 أنمار فؤاد منسي
كاتبة | أردنية

 

حين ينسل أرقم قاتم اللون في ليل بهيم من تحت باب حظيرة أرهقها الظلام، ليدس سمومه البيضاء الشفافة في جسد الخراف الآمنة... تكون هذه هي بداية الصراع.
كذلك الأمر الذي يؤرق مجتمعًا عظيمًا من الأدباء والمثقفين ومن رموز اللغة العربية التي ترزح تحت احتلال المتسلقين على أسوار قلاع الأدب واللغة العربية...
للأسف الشديد، باتت اليوم لغتنا العربية والكتابة والأدب في خطر شديد داهم، بسبب ما وفرته وسائل الاتصال المباحة للجميع من سهولة الوصول إلى أكبر عدد من المتلقين السذج الذين يصفقون لأي خطأ دون الانتباه ومعرفة الصواب والخطأ مما يقرؤونه من أخطاء إملائية ونحوية ونصوص فارغة بلا محتوى، هي رصف كلام فقط، مثل البضائع الصينية سريعة العطب...
ومما لا شك فيه أن الكتاب والشعراء الحقيقيين باتوا بلا حقوق، أمام هذا الكم الهائل من الترهات والوضاعة في الكتابة، ولا يمكن لأحد أن ينكر هذا. باتت هذه المواقع المتاحة للجميع تنتزع الخافق لنا بدل أن تنتزع الخافض... نزع الخافض هو نزع حرف الجر لمنع الكلمة التحريك بالكسر، فنقول: مبني على نزع الخافض.
وتزرع نونًا بدل أن تحذفها للإضافة، مثل: مهندسين المؤسسة بدل مهندسي المؤسسة، وترفع المفعول به بدل نصبه، ناهيك عن الياء بدل الكسر والنون بدل التنوين، وإلى ما هناك من أخطاء يندى لها الجبين.
هذا ما أثمر من المواقع الزائفة والتصفيقات الصفراء، فلم يعد هناك سوى مواضيع فارغة عن الحب المكسر أدبًا وقلبًا وقالبًا...
نعم، هذا ما ولد في عصر الاتصالات... وبالقياس مع من مضى من عصور، تخيل أن الإمام قطرب اختلف مع الإمام ابن الجزري في عدد مخارج الحروف؛ فعند قطرب ستة عشر، باعتبار اللام والنون من مخرج واحد، وأما ابن الجزري فعدها سبعة عشر مخرجًا. كانوا يختلفون على مكان خروج الحرف: أمِن طرف اللسان أم من ثنايا الأسنان العليا؟ ونحن لا نختلف اليوم على اللحن الجلي حتى عند قراءة القرآن الكريم.
منذ أن بدأت اللغة العامية تتداخل في اللغة العربية، هب علماء النحو وعلماء القراءات لوضع علوم للحرف (الحرف)، الذي وضعوا لهم تعريفًا خاصًا للحرف، وهو أنه صوتٌ معتمد على مخرج محقق أو مقدر، وبدأوا بملحمتهم التاريخية، فوضعوا للحرف صفات منها ما له ضد ومنها ما ليس له ضد، وكانت الصفات هي نفسها التي ننطق بها القرآن الكريم حتى يستوي نطقنا، فكانت صفة الهمس والجهر والرخاوة والشدة والتوسط والاستعلاء والاستفال والإطباق والانفتاح والإذلاق والإصمات، وصفات ليس لها ضد كالقلقلة والتفشي والإمالة والتكرير والخفاء والاستطالة، وجعلوا حروف المد واللين، وأعطوا الحروف أيضًا ألقابًا مثل الحروف الحلقية واللهوية والجوفية والذلقية والشفوية والشجرية والنطعية.
ولم يكتفوا بهذا، بل قسموا مخارج الحروف في الفم إلى مخارج عامة، وهي ثلاثة: الحلق واللسان والجوف، وجعلوا للحلق ثلاثة مخارج: أدنى ووسط وأعلى الحلق، وللسان عشر حروف من طرفه وحافته وشجر اللسان، كما جعلوا الشفتين مخارج حروف أيضًا كالميم والباء والفاء، ونظموا القصائد فيها لتعلمها...
فهل منا من يقدر هذا المجهود؟. وهل منا من يقرأ كلماتنا العربية بلغة القرآن؟.
وفي نفس السياق، هناك الكثير الكثير من الشباب والشابات الذين يشكلون طيفًا واسعًا من الكتاب الذين تعلموا واجتهدوا وكتبوا وتعبوا وواظبوا على بناء أعلى القلاع الأدبية والشعرية، نثرًا كان أو موزونًا، قد تاهت بهم السبل بين فئات المتسلقين على اللغة والأدب، وفقدوا حظهم وفرصهم في الظهور للعلن...
هؤلاء وجب علينا، كأصحاب نفوذ في هذا المجال، الأخذ بيدهم ومنحهم الفرص اللائقة التي تأخذ بهم وبالأدب إلى ربوع النشر، والاستفادة من علمهم ومعرفتهم، وتيسير وتسهيل العقبات وتذليلها أمامهم، ومنحهم وقتهم الكافي ودعمهم ماديًا ومعنويًا حتى يتفرغوا لما هم بصدده، وإضافة مثقفين ورواد فاعلين في مجتمعنا، واستنباط حجج جديدة فاعلة مثل أئمة اللغة القدماء كالفراهيدي وسيبويه وابن الجزري وقطرب...
هذا جزء يسير من حقوقهم، وتشجيع الأجيال الجديدة على القراءة وتغذيتهم بها منذ الطفولة، عوضًا عن الهواتف الذكية التي جعلت شريحة كبيرة من أبنائنا بحكم الأغبياء، وأيضًا حماية حقوق المنشور وعدم السماح لأحد بنشرها على مواقع التواصل ليذهب تعب الكاتب هباءً منثورًا.
فلو سألت بعض المثقفين اليوم: لم لا تنتج ديوانًا منفردًا؟ لقال لك: إنها لا تساوي ثمن الورق الذي كتب عليها.
هذا هدم للقامات الثقافية ومجهود الكاتب.
والحل في سبيل إنقاذ اللغة العربية من التشوهات: علينا أن نعيد للغتنا العربية مجدها، فلا يتقدم أحد لامتحان إلا بعد امتحان اللغة العربية وامتحان الخط، وهذه المهمة لا تكون بالعنف أبدًا، بل بأن تقبض عليهم وهم صغارًا وتعلمهم اللغة والعمق في الكتابة منذ طفولتهم، حتى إذا كبروا وسمعوا شعرًا أو مقالًا فارغًا، يشعرون بألم في آذانهم ويغلقوا أعينهم من شدة ما يقع على آذانهم.
في كل يوم أفتح مواقع للتواصل، لا أخفي عليكم إني أحتد كثيرًا وأشتعل كما البركان لما أرى من هتاف للفوارغ وتصفيق للترهات.
هذا كله يقع على عاتق المؤسسات والمجلات ودور النشر، في عدم الاستحياء من أحد في اللغة، وعدم النشر إلا بعد التدقيق والتمحيص والتنقيح واستيفاء شروط صارمة في محتوى الكتابة من موضوع وصور بلاغية وخيال واسع وبحور وتقطيع وموسيقى كتابية تطرب لها أذن المتلقي، فلا يمل ولا يهمل قراءة المادة، بل تشده إليها كلما تعمق فيها، وإذا لم تستوفِ تلك الشروط، فالنار أولى بها.
تستوقفنا في حياتنا اليومية بعض الأعمال الأدبية، ولو عن طريق الصدفة، مثل قصيدة في مجلة أو كتاب يقع في أيدينا مصادفة حين نكون في السيارة أو في مواصلات النقل العام، حتى عند طبيب في عيادة، حين نسمع أو نقرأ، نجد الحسرة على أنفسنا لشدة تهاوننا وتقصيرنا في حق أنفسنا بالقراءة أو حتى على الأقل الاستماع لما قد سلف من كتابات أدبية قديمة. ومن ثم نرى أبناءنا في الطرقات يمسكون هواتف ذكية ويشاهدون ما لذ وطاب من الترهات الفارغة ومقاطع الفيديو التي أرهقت أدمغتهم وغلفتها بطبقة عازلة من نوبات الضحك الهستيري، وهذا ما يريده هادمو مجتمعنا العربي والساعون لطمس ثقافة القراءة.
وللأسف، نجد هذه الفيديوهات صنعت في بلادنا بأيدٍ عربية ومحتوى غربي هدام، ثم تتدفق على هؤلاء الصانعين الأموال وملايين المشاهدات والدعم النفسي والمعنوي، نرى التصفيق لهم والاستضافة على الفضائيات، وبالمقابل، على الضفة الأخرى من النهر، ترى المبدعين أصحاب القلم وأصحاب الريادة الذين لا حظ لهم لأنهم نهجوا طريقًا صحيحًا سويًا، نجدهم لا يجدون إلا كفاف قوت يومهم، ولا يدري بهم أحد.
أخيرًا، أقول:
أعطوا كل ذي حق حقه. علينا أن نبدأ بخطوات جديدة ونعود من البداية، فنحن بصدد تعبئة جيش من المثقفين وأصحاب الفكر القويم للغتنا وأدبنا وديننا، والأخذ بيد المبتدئين الذين لديهم محاولات شعرية وأدبية وتعليمهم الصواب والخطأ، وهنا نكون قد وضعنا كل شخص في مكانه الصحيح، وهذا يكون بهمة وجهود مثقفي بلادنا من كتاب ونقاد ومحررين وأصحاب نفوذ وسلطة.

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي