مقالات ادبية واجتماعية وفنية
رياض عبد الواحد السعد
ناقد | عراقي
تنهض القصيدة على بنية دلالية مراوغة، تتداخل فيها الذاكرة بالخوف، والغياب بإمكانية النجاة لتضع القارئ أمام تجربة وجودية لا تُروى بقدر ما تتكشف عبر سلسلة من الصور والعلامات المفتوحة على التأويل. ومن منظور هرمنطيقي لا تكمن دلالة النص في ظاهره اللغوي وحده بل في المسافة بين ما تقوله الصور وما تضمره من أسئلة الفقد والانمحاء واستعادة الذات.
يحمل النصيص (أجراسٌ جديرةٌ بالضوء) مفارقة لافتة، إذ يجمع بين الصوت والرؤية، بين ما يُسمع وما يُرى. فالأجراس ليست مجرد أصوات معلنة إنما إشارات إلى وجود يطالب بالاعتراف، وأصوات ظلت معلقة في عتمة النسيان حتى أصبحت جديرة بأن يضيئها الوعي. وهكذا يؤسس النصيص أفقًا تأويليًا يتصل باستعادة ما غاب أو جرى محوه.
تبدأ القصيدة بصورة (صباحٌ يفتحُ أزرارَهُ عند الباب)، حيث يتحول الصباح إلى كائن يستعد للظهور، غير أن حركته تنتهي بإدارة ظهره لزقاق خالٍ. وهذه المفارقة تنزع عن الصباح دلالته التقليدية بوصفه بداية للضوء والحياة، ليصبح شاهدًا على فراغ يشي بحدث غائب. ثم تأتي كلمة (صُراخٌ) منفردة كأنها اختراق مفاجئ للصمت، تتبعها (شهقةُ عينٍ مفتوحةٍ)، في انتقال لافت من الرؤية إلى الاختناق؛ فالعين لا تكتفي بمشاهدة الخوف غير أنها تتحول إلى كائن يختنق به، فيما يغدو الوجه المغلق بالخوف صورة للذات العاجزة عن مواجهة العالم.
وتبلغ الصور كثافتها في مشهد الغرفة التي (يتدلّى سقفُها من فمٍ محشوٍّ بالعناكب). فالغرفة التي يفترض أن تكون فضاءً للاحتواء، تتحول إلى مكان مهدد بالتآكل، ويصبح الفم، بوصفه أداة للكلام، مأوى للعناكب. ويمكن قراءة ذلك بوصفه استعارة لذاكرة اختنقت بما تراكم فيها من صمت، حتى فقدت اللغة قدرتها على الإفصاح.
أما (في لحظةٍ غادرت نفسَها) فتشكل منعطفًا وجوديًا في النص، إذ تغادر الذات مركزها وكأنها تنفصل عن حضورها تحت وطأة تجربة لا تحتملها. ومن هذا الانفصال تتساقط (أجراسٌ غيرُ مرئيةٍ) فوق حافة الصوت لتلتهم أسماءً لم تُمنح أجسادًا. وهذه الصورة من أكثر الصور عمقًا لأنها تنقل الفقد من خسارة الموجود إلى محو الممكن، أي إلغاء كائنات لم تتح لها فرصة الوجود أصلًا. فالأسماء هنا ليست علامات لغوية بل احتمالات حياة أُجهضت قبل أن تتجسد.
وفي المقطع الأخير تتسع التجربة من الذات إلى الذاكرة الكونية، فالأمواج المصنوعة من الصفيح تجمع بين سيولة الماء وصلابة المعدن، وتخرج من الفم خرائط لم تُوطأ بما يوحي باستعادة أمكنة لم تدخل حيز التجربة الفعلية. أما (ذاكرة بحرٍ يبتلعُ أناه) فتقدم صورة للذاكرة وهي تفقد هويتها ومرجعيتها، لتتحول من فضاء للاحتواء إلى قوة تلتهم ذاتها.
وتأتي صورة (نصلُ صمتٍ يتنفّسُ بردَ قناطرَ) لتمنح الصمت جسدًا جارحًا وحياة متناقضة؛ فهو نصل لكنه يتنفس. وبذلك لا يعود الصمت غيابًا للكلام بل تتحول إلى قوة فاعلة، تحمل آثار ما لم يُقَل، وما ظل جرحًا مفتوحًا في الوعي.
غير أن القصيدة لا تستسلم لمنطق العتمة بل تنجز انعطافتها التأويلية في خاتمتها: (تعيدُ الماءَ لوجهِ الغريق). هنا يستعيد الماء وظيفته الأولى بوصفه إمكانية للحياة، بعد أن ظهر في صورة البحر الذي يبتلع ذاته. إنها حركة استرداد رمزية لا تلغي تجربة الغرق لكنها تمنح الغريق فرصة لاستعادة وجهه ووجوده.
إن جماليات النص تتجلى في تبادل الوظائف بين عناصره، فالصباح ينكفئ، والعين تشهق، والصمت يتنفس، والبحر يبتلع ذاته، والماء يعود لينقذ الغريق. وبهذه الانقلابات تتشكل وحدة القصيدة، لا عبر الحكاية المتسلسلة بل عبر شبكة من التحولات الدلالية التي تجعل الصورة الشعرية مساحة لإعادة اكتشاف المعنى.
إنها قصيدة عن الأصوات التي لم تجد أجسادًا، وعن الذاكرة التي تقاوم محوها، وعن الإنسان الذي يحاول استعادة ملامحه من حافة الغياب. ولعل خاتمتها تختزل رؤيتها كلها: فالنجاة ليست نسيان الغرق بيد أنها إعادة الماء إلى وجه الغريق، وإعادة الضوء إلى ما استحق أن يُرى.
النص الشعري:
أجراس ٌجديرةٌ بالضوء
صباحٌ يفتحُ أزرارَهُ عند الباب
يُديرُ ظهرَهُ
لزقاقٍ كان خاليًا
صُراخٌ
وشهقةُ عينٍ مفتوحةٍ
مُعلَّقةٌ
في وجهٍ
أغلقهُ الخوفُ
تَقرعُ بابَ غرفةٍ
يتدلّى سقفُها
من فمٍ
محشوٍّ بالعناكبِ
في لحظةٍ
غادرت نفسَها
وها هي
فوقَ حافةِ الصوتِ
تتساقطُ منها
أجراسٌ غيرُ مرئيةٍ
تلتهمُ أسماءً
لم تُمنَح
جسدًا
تتهافتُ الى موائدِ الضوءِ
أمواجٌ من صفيحٍ
تخرجُ من فمِها
خرائطُ لم تُوطأ
لذاكرةِ بحرٍ
يبتلعُ أناه
نصلُ صمتٍ
يتنفّسُ بردَ قناطرَ
تعيدُ الماءَ
لوجهِ الغريق.

...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي